يوم هبّ مجتمع بأكمله للتصدّي ضد هجوم إرهابي شامل
في 17 أيلول 2024، فجّرت "إسرائيل" بصورة متزامنة آلاف أجهزة الاتصال المحمولة "البيجر" في لبنان.
بحسب حصيلة وزارة الصحة في 19 أيلول، ارتقى خلال اليومين 37 شخصًا وأُصيب 2,931 آخرون، بينهم أطفال وعاملون في القطاع الصحي. وفي اليوم الأول وحده، سُجّل 1,343 مصابًا بجروح متوسطة أو بالغة، ووُضع 226 منهم في العناية المركزة.
وخلال الساعات الأولى، أجرى الأطباء 955 عملية جراحية لمصابي اليوم الأول، ثم 141 عملية إضافية بعد موجة التفجيرات الثانية؛ أي 1,096 عملية في وقت قياسي، فيما كان مئات المصابين لا يزالون ينتظرون عمليات أخرى وعلاجًا طويل الأمد.
لكن ما حدث في 17 أيلول لم يكشف قبح الجريمة الإسرائيلية وحده، بل كشف أيضًا قدرة المجتمع في لبنان على الاستجابة عندما وجد آلاف المصابين أنفسهم في حاجة إلى النجدة في اللحظة نفسها. فوسط هذا المشهد، ظهر وجه آخر للبنان. وجه المجتمع عندما يجد نفسه فجأة أمام محنة كبرى، وحين يصبح السؤال أولوية: ماذا أستطيع أن أفعل؟
سيارات المواطنين شريكة في أعمال الإسعاف والإنقاذ
في المناطق التي شهدت الانفجارات، تحوّلت السيارات المدنية بصورة عفوية إلى وسائل نقل للجرحى، بعدما امتلأت سيارات الإسعاف بالبلاغات. حمل الموجودون المصابين من المتاجر والشوارع والمنازل، وضغطوا على جروحهم وحاولوا وقف النزف، ثم نقلوهم بسيارات الإسعاف، والسيارات المتاحة والدراجات النارية إلى المستشفيات.
100 مستشفى في لبنان استقبلت الجرحى
خلال وقت قصير، شارك نحو 100 مستشفى في مختلف المناطق في استقبال الجرحى، وفق منظمة الصحة العالمية. تحرّك أطباء وممرضون ومسعفون واختصاصيون في جراحة العيون والأعصاب والوجه واليدين، واستُدعي العاملون في القطاع الصحي إلى مراكزهم. وانتقلت سيارات الإسعاف بين المناطق والمستشفيات بحثًا عن أسرّة شاغرة والاختصاصات المطلوبة لكل إصابة.
العاملون في المجال الطبي وجدوا أنفسهم أمام أعداد استثنائية من المصابين، وفي وقت متقارب جدًّا، وبأنماط من الإصابات لم يألفوها بهذا الحجم. ومع ذلك، تحوّلت المستشفيات إلى ورش إنقاذ مفتوحة.
وأجرى جرّاحو العيون، ومنهم النائب إلياس جرادة، لأكثر من 12 ساعة متواصلة عمليات ترميم دقيقة، فيما واصل أطباء وممرضون آخرون عملهم طوال الليل والليالي التي تلت.
طوابير للتبرّع بالدم
ومع صدور النداءات، تشكّلت طوابير أمام مراكز التبرع بالدم. حضر أشخاص لا يعرفون المصابين ولا عائلاتهم، فيما عمل متطوعون على تنظيم المتبرعين وتأمين الاحتياجات للمستشفيات.
وتطوّع آخرون لتوزيع المياه والطعام على الأهالي المنتظرين أمام المستشفيات. وثّقت التقارير متطوعين يوزعون الطعام والاحتياجات الأساسية.
لبنان المنقسم.. توحّد حول جرحاه
نحن معتادون على قراءة تاريخ لبنان من خلال حروبه وانقساماته. نعرف الكثير عن الأشياء التي فرّقت اللبنانيين، وأقل بكثير عن اللحظات التي دفعتهم إلى الاقتراب من بعضهم. لكن المجتمعات لا تتكوّن فقط مما يفرق أبناءها.
لا ينبغي لهذا الكلام أن يحوّل الجريمة إلى قصة جميلة. لكنه يسجّل حقيقة أخرى من ذلك اليوم: عندما حاولت "إسرائيل" نشر الرعب داخل آلاف البيوت دفعة واحدة، واجهها المجتمع في لبنان بالدم الذي تبرّع به، وبالمستشفيات التي فتحت أبوابها، وبالأيدي التي امتدّت لإنقاذ المصابين.