ماجستير في البرمجة بعيون مطفأة وعقل مبصر.. عن الجريح مهدي قانصو

تعود زوجة الجريح مهدي قانصو بالذاكرة إلى ما قبل السابع عشر من أيلول 2024، إلى مشهد مهدي أمام مكتبه المخصّص للدراسة، يقضي عدّة ساعات يوميًّا يدرس وينمّي مهاراته ليحافظ على معدّله في الاختصاص الذي أحبّه رغم صعوبته، اختصاص "المعلوماتيّة والعلوم البرمجيّة" في الجامعة اللبنانيّة التي تخرّج فيها عام 2022. تصفه زوجته فاطمة شحادي بأنه شخص "لا يعرف الجلوس أو البقاء دون عمل، دائمًا ما كان يردّد أن كلّ ما يفعله يجب أن يكون مثمرًا ويعود بالفائدة على خطّ المقاومة".

جاء السابع عشر من أيلول 2024.. استيقظ مهدي صباح هذا اليوم، وعلى غير عادته، تقول فاطمة: "فتح القرآن وقرأ سورة الذاريات التي كان قد اعتاد على قراءتها كلّ ليلة للرزق والبركة"، وتوجّه بعدها إلى عمله. عند الساعة الثالثة والنصف عصرًا، بدأت الأخبار تتوالى عن وقوع إصابات متزامنة في مناطق لبنانيّة مختلفة، وصل الخبر إلى عائلة مهدي التي توجّهت مباشرة إلى المستشفى. تقترب منه والدته: "بيّض الله وجهك"، ليجيبها: "سأشتاق إلى رؤية صفحات القرآن، وإلى رؤية وجهك، الحمد لله على كلّ حال".

بعدها بيومين، وفي طريقه إلى غرفة العمليّات، رفع مهدي إشارة النصر بيده السليمة قائلًا: "قولوا للسيد ما يزعل، عيوني فدا عيونه".

خبر استئصال عيني مهدي نزل كالصاعقة على زوجته وأهله رغم أن مهدي حضّر نفسه لهذا الاحتمال، لكن مع ذلك تقول فاطمة إنها، ومع الكثير من الأسئلة التي خطرت في بالها في تلك اللحظة، "سرعان ما شعرت أن الله يُنزل البلاء مع أضعاف مضاعفة من الطمأنينة والصبر".

رحلة التعلّم بعد الإصابة

لم يسمح مهدي للعدو الإسرائيلي بتغيير مسار حياته الذي رسمه، فقرّر بعد رحلة العلاج المكثّفة التي خضع لها والتي استمرّت قرابة ثلاثة أشهر في إيران، أن يُكمل دراسته الجامعيّة كما كانت خطته قبل الإصابة. بعيونه المطفأة ويده التي بُترت أصابعها، قرّر مهدي أن يعود إلى الدراسة. كان التحدّي الأكبر بحسب ما توضّح فاطمة "صعوبة مواده الجامعيّة، فلغات البرمجة والرموز والأرقام تحتاج بصرًا وتركيزًا عاليًا وذاكرة خارقة. فصرنا نسجّل الرموز والمعادلات على شكل رسائل صوتيّة ليسمعها ويكتبها رغم صعوبة الأمر مع وجود بتر في يده اليمنى".

لم يكن همّ مهدي الحصول على علامة أو إشادة كما تؤكّد فاطمة، بل كان همّه "أن يكتسب ما تبقّى من مواد ليتمكّن من إفادة غيره في المستقبل". استمرّت رحلة التعلّم، وتقدّم بعدها لامتحان الماجستير في المعلوماتيّة الإداريّة، تكمل فاطمة: "ورغم أنني كنتُ أشعر بقلق كبير، لكن مهدي في المقابل، كان يشعر بالاطمئنان الكلّي، مردّدًا الآية القرآنيّة: {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}". وبالفعل نال مهدي ما أراد.. "أكمل عامه الدراسي بنجاح باهر".

مهدي القائد الكشفيّ.. الصورة التي أرادت "إسرائيل" كسرها

لم يكن الهدف الوحيد لمجزرتي "البيجر" والـ"ووكي توكي"، يومي 17 و18 أيلول 2024، إخراج المقاتلين من الخدمة وجعلهم "عبئًا" على مجتمعهم، بل أراد الكيان الإسرائيلي بشكل أساسي أن تبقى صورة الجرحى، من الأطفال والنساء والرجال، عالقة في ذهن كلّ من يفكّر في مواجهة الكيان، يراهم فيرتدع وتضعف إرادته.

ترى فاطمة أن ما أُريد له أن يكون "إنجازًا" تحوّل إلى "كابوس يلاحق الكيان الإسرائيلي، وهزيمة نكراء لأسياده، فقد أصبح لكلّ جريح تأثير أقوى وأعمق على جميع المستويات، وباتت إرادتهم أقوى من أيّ عائق".

وكما كان القائد الكشفيّ مهدي يقف منذ سنّ السابعة عشرة ليعطي دروسًا وورش عمل لمختلف الفئات العمريّة، يقف القائد الجريح مهدي من جديد، ممسكًا القلم بيده اليمنى المصابة، لا يرى، لكنه يكتب على اللوح بخطّ واضح متوجّهًا إلى العناصر الكشفيّين أمامه، جاعلًا من إصابته التي افترض العدو الإسرائيلي أنها رادعة، دافعًا للأجيال القادمة.

تنقل زوجة الجريح مهدي قانصو عنه قوله: "أنا لما تصاوبت خلقت"، هذه العبارة التي أصبح يردّدها مهدي تعني بحسب ما تشرح زوجته "أنّ حياته لم يكن لها ذات المعنى قبل الإصابة، وأنّ الإصابة هي نقطة بدايته، وهي نعمته لا بلاؤه، وهي مصدر قوّته وعزيمته"، تُكمل: "هذه هي عقيدتنا الراسخة وإيماننا الذي لا يملكه عدونا الغاشم، والذي لو مهما طغى في الأرض، نهايته إلى زوال والزوال بات قريبًا بقوله تعالى {وكان حقًّا علينا نصر المؤمنين}".