لو تكلّم يسوع المسيح عن مظلوميّة ملفّ التفرّغ في الجامعة اللبنانيّة
«ما لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ، وَمَا لِلَّهِ لِلَّهِ»: لو تكلّم يسوع المسيح عن مظلوميّة ملفّ التفرّغ في الجامعة اللبنانيّة
د. نهى نيكولاس
أستاذة محاضِرة في الجامعة اللبنانيّة
«ما هي الحقيقة؟» سأل بيلاطس يسوع قبل الصّلب، فلم يُجِب. السؤال اليوم لا يدور حول الحقيقة المجرّدة، بل حول جانبها الأخلاقيّ: من أيّ جهة من الميزان الأخلاقيّ تقف الحقيقة؟ وهل توجد أخلاقيّات بلا حقيقة؟ في ملفّ تفرّغ الأساتذة المتعاقدين في الجامعة اللبنانيّة، تتصادم الشروط الأكاديميّة (الكفاءة، الحاجة، الأقدميّة) مع «حقيقة» أخرى: التوازن الطائفيّ الذي صار معيارًا حاسمًا، حتّى لو أفرغ القرار من عدالته الجوهريّة.
1. من «ما كُتِبَ قد كُتِبَ» إلى «ما حُسِمَ قد يُحسَم»: تأريخ قرار معلّق.
بعد قرار مجلس الوزراء رقم 17 (16 شباط 2026) الذي وافق مبدئيًّا على تفريغ 1690 أستاذًا على أربع دفعات، عاد الملفّ يتَعَثّر عند عتبة الأسماء والاعتمادات. وفي جلسة 10 أيلول 2026، طُرِح تأجيل التنفيذ إلى كانون الثاني 2027، ما يستبعد من يبلغ سنّ التقاعد قبل ذلك، بينما تمسّكت وزيرة التربية ريما كرامي بطرح الملفّ كاملًا مع توزيع الدفعات. لكنّ العقدة لم تكن ماليّة فقط؛ فقد تبيّن أنّ النسبة المسيحيّة المقترحة في اللائحة تنخفض عن 35%، ما أثار اعتراضات سياسيّة وكنسيّة، ودفع بكركي إلى التحرّك، فيما أُضيف بُعد حسّاس حين نُقِل عن الوزيرة قولها «ما كُتِبَ قد كُتِبَ»، في إشارة إنجيليّة لاعتراض الكهنة اليهود على ما كتبه الرومان على صليب المسيح: «ملك اليهود».
هنا يتبدّل مقام السؤال: إذا كان «ما كُتِبَ قد كُتِبَ» يذكّر بحكم القدر في رواية الآلام، فهل «ما حُسِمَ قد يُحسَم» في التوازنات الطائفيّة يصبح قدر الجامعة اللبنانيّة أيضًا؟
2. الديموغرافيا كسيف ذي حدّين: الحضور الأكاديميّ بين «التوازن» و«الضرر الجانبيّ»
تشير تقديرات مستمدّة من بيانات الانتخابات البلديّة في عشرينيّات القرن الحالي إلى أنّ المسيحيّين يشكّلون ما بين 30% و40% من سكّان لبنان، وهي نسبة مرتفعة عربيًّا، غير أنّ غياب إحصاء رسميّ منذ 1932 يجعل أيّ حديث عن «الأكثريّة» أو «الأقليّة» قابلًا للتأويل السياسيّ. في هذا المناخ، تتحوّل نسبة الأساتذة المسيحيّين في الجامعة الوطنيّة الوحيدة إلى متغيّر خاضع لحسابات «التوازن»، لا إلى نتيجة طبيعيّة لكفاءتهم وحاجات الكلّيّات.
والمفارقة المؤلمة أنّ المطالبة بـ«توازن» في التفرّغ قد تعني عمليًّا تقليص وزن أكاديميّ مسيحيّ فعليّ، وتحويل أساتذة إلى «أضرار جانبيّة» لمعادلة ديموغرافيّة-طائفيّة لا تعترف بمعايير التميّز. كأنّنا نقول: ليكن العدد «متوازنًا» حتّى لو كان الثمن إهدار حقّ من استوفى الشروط. هذا منطق يعكس اختلالًا أعمق: حين تُختزل الجامعة إلى مرآة للطوائف، لا إلى حاضنة للكفاءة.
3. أخلاق بلا حقيقة؟
لا أخلاق بلا حقيقة. إذا كانت «الحقيقة» في ملفّ التفرّغ هي استحقاق من استوفى الشروط، فإنّ الأخلاق تقتضي تطبيق المعايير نفسها على الجميع، من دون محاصصة تُفرِغ الحقّ من مضمونه. وإذا كانت «الحقيقة» هي التوازن الطائفيّ فقط، فإنّنا ننتج أخلاقًا ملتوية: فلا عدل من دون اعتدال.
4. امتعاض اليهود من شموليّة الخلاص المسيحيّ.
في الأناجيل، وُجّه إلى يسوع نقد لاذع لأنّه كان يخالط العشّارين والخطأة، ويذهب حيث لا يُرتضى دينيًّا، يهوديًّا واجتماعيًّا. في سياقنا، من يجرؤ على القول إنّ «الحقّ الأكاديميّ» يجب أن يسري على الجميع، بغضّ النظر عن الانتماء، يُوصف أحيانًا بأنّه «يهدّد العيش المشترك».
5. مثل الوزنات (إنجيل متّى 25): البنك، والفائدة، و«صرير الأسنان».
في مثل الوزنات (متّى 25: 14-30)، يتحدّث المسيح عن سيّد يسلّم أموالًا لعبيده «على قدر قدرة كلّ واحد». من ضاعف الوِزنة رُحِّب به: فالأوّلان يتاجران ويضاعفان؛ الثالث يخفي الوزنة في الأرض خوفًا/كسلًا. وبعد زمان طويل، يحاسب السيّد: يكافئ الأمينين («نعمّا أيّها العبد الصالح والأمين... ادخل إلى فرح سيّدك»)، ويوبّخ الثالث («العبد الشرّير والكسلان») ويأخذ وزنته ليعطيها «للذي له عشر وزنات»، ثمّ يطرحه «إلى الظلمة الخارجيّة» حيث «البكاء وصرير الأسنان». المكافأة لا ترتبط بالحجم الأوّليّ بل بالإنتاجيّة: من ضاعف يُقام «على الكثير» ويدخل «فرح السيّد». «لأنّ كلّ من له يُعطى فيزداد، ومن ليس له فالذي عنده يُؤخذ منه» (آية 29). فكلّ أستاذ مستحقّ بالتفرّغ هو أمين على استحقاق غيره، أمّا من ليس يستوفي الشروط، فعليه أن يعمل لكي يضاعف عدد المستحقّين.
وسؤالنا اليوم: ما «القيمة المضافة» التي ينتجها بعض أوساط الإكليروس المسيحيّ في هذا الملفّ؟ الإجابة المرّة، بحسب نقّاد كثر، هي «إضافة» أساتذة لا يستوفون شروط التفرّغ، أو الدفع بملفّ يضمن حضورًا عدديًّا على حساب معايير التميّز. هكذا يتحوّل المثل الإنجيليّ إلى نقيضه: لا مكافأة للمضاعفة بالكفاءة، بل مكافأة للمحافظة على «الوزنة» كرقم في معادلة طائفيّة. والنتيجة؟ «هناك يكون البكاء وصرير الأسنان» (متّى 25: 30) لا كعقاب أخرويّ فقط، بل كصورة لواقع أكاديميّ يئنّ من الظلم.
6. «ما لله لله»: الجامعة كبيت الله أم بيت قيصر؟
قال يسوع: «أدّوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله». في ترجمتنا السياسيّة: للدولة أن تنظّم التعيينات، لكنّ للجامعة قدسيّتها كمؤسّسة للحقيقة والكفاءة. حين يتدخّل «قيصر الطوائف» في قلب «بيت الله» الأكاديميّ، يختلّ التمييز بين ما هو سياسيّ وما هو أكاديميّ. النتيجة: ملفّ يُرحّل مرارًا، وأساتذة يُتركون في مهبّ الانتظار 12 عامًا، وجامعة تُنزَف من كفاءتها.
7. خاتمة: دعوة إلى توبة مؤسّساتيّة.
لو تكلّم يسوع اليوم عن مظلوميّة ملفّ التفرّغ، لربّما قال: «طوبى للجياع والعطاش إلى العدالة»، وطوبى للجامعة التي تُعاد إليها سيادتها كمعبد للحقيقة. لكنّ ذلك يتطلّب توبة مؤسّسيّة: من منطق «ما كُتِبَ قد كُتِبَ» إلى منطق «ما عُمِلَ بحقّ قد عُمِلَ»، ومن حماية الامتيازات إلى حماية الكفاءة، ومن معادلة الخوف إلى معادلة الثقة.