هندسة الهزيمة وصناعة الوعي المشوّه: حين يتفوّق لبنانيّون على إعلام العدو في خذلان وطنهم!

بقلم: حسين حمية
(محاضر في علم النفس ومتخصص في الشؤون الإسرائيلية)



منذ ما قبل العام 2000، والأوركسترا ذاتها تعزف النغمة المكرّرة: "العين ما بتقاوم المخرز"، "العدو دمّر واستهدف"، "الجنوب سقط ولن يعود"، "المقاومة تجرّ البلاد إلى الخراب"... عناوين وضعت في غرف سوداء ورماديّة تهدف إلى شيء واحد فقط: هندسة الهزيمة النفسيّة في وعي المواطن اللبناني، وتسخيف أي إنجاز للمقاومة، في مقابل تضخيم وتهويل قدرة العدوّ وتصويره كقوّة لا تُقهر.

المفارقة المخزية اليوم ليست في وجود أصوات لا تؤيّد المقاومة؛ فهذا التنوّع السياسي مشروع. لكن المفارقة تكمن في أولئك الذين تماهوا مع السرديّة الصهيونيّة بالكامل، لدرجة أنّهم باتوا ملكيّين (صهاينة) أكثر من الملك (صهيون نفسه)!

إلى غير المحب للمقاومة، وإلى من يزايد على تضحيات أبناء بلده: أقلّها.. كن كصحافة العدوّ واقرأ ما تقوله هي عن نفسها، ولا تكن ملكيًّا أكثر من يديعوت أحرونوت!


مرآة العدو: ماذا تقول الصحف الإسرائيليّة؟

بينما ينشغل البعض محليًّا بالتباكي على رفع علم غولاني فوق تلّة هنا أو قلعة هناك (وهي أماكن لم يعرف الكثير من المتباكين طريقها يومًا)، دعونا نلقي نظرة على العناوين الرئيسيّة لصحف العدوّ الصادرة يوم الأحد 31-05-2026، لنرى كيف يعيش الكيان أيضًا ألمًا وهلعًا حقيقيًا:

1. يديعوت أحرونوت: الضغط العسكري لا يكفي
افتتحت الصحيفة الأبرز عناوينها بـ "حزب الله يزيد من مدى النيران"، في إشارة واضحة لعجز الجيش عن كسر إرادة القتال. وفي مقال للمحلّل العسكري المخضرم "رون بن يشاي"، انتقد فيه بوضوح عدم تحقيق أهداف الحرب واعترافه الصريح بأن: "الضغط العسكري لا يكفي".

2. إسرائيل هيوم (اليمينيّة): نريد أفعالاً لا كلمات
الصحيفة اللصيقة بيمين سلطة الاحتلال لم تجد مفرًّا من الاعتراف بالحقيقة المرّة، وعنونت بالخطّ العريض: "نريد أفعال لا كلمات"، واصفة يوم السبت بأنه "السبت الأصعب منذ بدء وقف إطلاق النار قبل شهر ونصف". ونقلت الصحيفة أجواء الرعب: مئات صافرات الإنذار، توسّع رماية الصواريخ والمحلّقات إلى الجليل، وشلل تامّ في التعليم في الشمال.

3. هآرتس: المقاومة توسّع النيران وتصيب العمق
أكّدت الصحيفة أنّ ردّ المقاومة تجاوز الحافّة الأماميّة ليصل إلى صفد وكرمائيل لكبح حركة جيش الاحتلال وراء الليطاني، وأرفقت صورتها الرئيسيّة بالدمار الذي خلفته الصواريخ في مستوطنة كريات شمونة.

4. جيروزاليم بوست ومعاريف: الاستقالات والتهديد بالانهيار
عنونت معاريف بالأحمر: "حزب الله يوسع مدى النيران"، بينما نقلت جيروزاليم بوست الغضب الداخلي الصهيوني؛ حيث هاجم نائب رئيس بلدية كريات شمونة حكومته هادمًا رواية النصر المزعوم، ومُهددًا بالاستقالة من حزب "الليكود" الحاكم جراء ما وصفه بـ"الوضع المجنون".
عقدة البوفور (الشقيف): تضخيم الأثر وصناعة النصر الزائف
بينما يسارع بعض الداخل اللبناني لنشر صور علم الكيان فوق قلعة الشقيف كدليل على الانكسار، يخرج الإعلام العبري نفسه ليمزق هذا العرض المسرحي الذي يحاول بنيامين نتنياهو تسويقه.

في قراءة نقديّة لاذعة نشرها موقع واللا العبري بقلم المحلّل نير كيفنيس، يفضح فيها كيف تحولت القلعة إلى مجرّد أداة تجميليّة لتغطية الفشل الاستراتيجي، حيث كتب:

العنوان الرئيسي للأخبار هذا الصباح هو احتلال البوفور (قلعة الشقيف) من قبل وحدة سييرت غولاني.. تخيّلوا أنّ لديكم قبو نبيذ تجدون فيه فجأة زجاجة منسيّة، عتيقة من عام 1982، قطعة من النوستالجيا (الحنين إلى الماضي). المشكلة هي أنّه أبعد من القيمة النوستالجيّة، لا يوجد هنا شيء ولا أي شيء!.. كل إسرائيلي عيناه في رأسه (عاقل) يجب أن يفهم بالفعل أنّه لا توجد أي غاية للإنجازات التكتيكيّة على الأرض، بدون استراتيجيّة سياسيّة.

ويضيف كيفنيس مهاجمًا الإعلام الإسرائيلي المتواطئ (أمثال المراسلة السياسيّة دانا فايس والمحللين العسكريين نير دفوري ونيتسان شابيرا) الذي يروّج لهذه الصور:

"هذه التقارير تخدم العرض الزائف الذي أقامه رئيس حكومة ورئيس أركان تخليا عن مواطنيهما.. الجيش الإسرائيلي يعمل بعزيمة من تم استدعاؤه لوضع المكياج على وجه مريض بالسرطان. مستحضرات تجميل بدلاً من الجراحة".

وفي السياق ذاته، شنّت الإعلاميّة الإسرائيليّة أوفيرا أسياج في برنامجها على قناة (كيشت 12) هجومًا حادًا على حكومة نتنياهو واصفة إيّاها بـحكومة الدمى التي تبيع وهم الانتصار المطلق على خلفيّة صور قتلى الجيش الإسرائيلي والتخلّي عن الشمال.

وحتّى المحللون العسكريّون والقادة السابقون لم يجدوا مفرًا من الاعتراف بهذه الحقيقة، إذ صرّح دافيد تسور (قائد حرس الحدود الإسرائيلي السابق) عبر القناة 12:

"بصورة عامة احتلال قلعة الشقيف ليس ما سيقضي على حزب الله. ولذلك، وفي هذه الأثناء، نحن ما زلنا عند المستوى الأكثر تكتيكيّة، وما زلنا نعدّ قتلانا. مؤكدًا أنّ العجز مستمرّ أمام التهديد البدائي المتمثّل في المحلّقات التي لم يجدوا لها حلا بعد".

بينما علّق المراسل العسكري في إذاعة الجيش دورون كادوش محذرًّا:

ينبغي التذكير أيضًا هذا الصباح بأنّ هذه الصور (علم غولاني على قلعة الشقيف) لا يجب أن تحجب عنّا الواقع الصعب في الشمال.


بالأرقام.. الواقع الصعب لجنود الاحتلال

الحرب ليست صورًا تذكاريّة يلتقطها جنود الاحتلال فوق الركام، بل هي أرقام ونزيف مستمر بالاعتراف الرسمي الإسرائيلي.
وفقًا لبيانات المستشفيات والرقابة العسكريّة الإسرائيليّة حتى يوم الامس 30 أيار 2026، فإنّ خلاصة ما يواجهه العدو يعبّر عن "واقع مستحيل" وليالٍ بلا نوم كما جاء في الإعلام الإسرائيلي:

" يعيش الشمال والجنود في جنوب لبنان اليوم الأعنف والأصعب منذ بدء وقف إطلاق النار، حيث الواقع المستحيل وليالي بلا نوم تحت وطأة ضربات مكثّفة من حزب الله شملت إطلاق أكثر من 26 مسيرة متفجرة خلال 24 ساعة و30 قذيفة وصاروخ، ودوي صفارات الإنذار بمعدّل جنوني يصل إلى مرّة كل 22 دقيقة، وسط اتهامات حادّة من رؤساء المجالس المحليّة للحكومة بتطبيع هذا الوضع المجنون والتخلي عنهم.

مجموع الإصابات الإسرائيليّة منذ بداية الحرب: 8,916 (تقترب من الـ9000)
مجموع الإصابات الإسرائيليّة منذ وقف إطلاق النار مع إيران: 1,015
مجموع الإصابات الإسرائيليّة في مستشفيات الشمال منذ بداية الحرب: 3,086
مجموع الإصابات المعترف بها من جنود وضباط الجيش  19-05: 1,043.

مجموع القتلى الإسرائيليّين منذ طوفان الأقصى: 2,071 قتيل.
مجموع القتلى من الجنود منذ طوفان الآقصى: 1018.

الوعي هو الميدان الأخير.. وأزيز السرديّة لا يقل عن أزيز المدافع 

حين تبكي قلعة الشقيف وتبرز علم المحتل فوقها تماهيًا مع روايته او متأثّرًا بها، تذكّر أنّ العدوّ نفسه يبكي في كريات شمونة وصفد وتل أبيب من بأس شباب هذا الوطن وخيرتهم الذين يذيقونه الويلات ليل نهار.

إنّ هندسة الهزيمة ومعركة بناء السرديّة وصياغة الرواية الوطنيّة لا تقلّ أثراً ولا أهمّيّة عن أزيز المدافع وهدير الصواريخ في الميدان، فالسلاح بلا وعي يوجّهه يصبح بلا قيمة، والهزيمة تبدأ دائماً في العقول قبل أن تترجم على الأرض.

لقد لخّص القادة الأمنيّون في كيان العدو هذا الموضوع بوضوح شديد، ففي كتاب "المعركة على الوعي" الصادر عن معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) للباحثين الإستراتيجيّين يوسي كوبرفسور ودافيدي سيمان طوف، يتّضح الهدف الإسرائيلي الحقيقي من هذه الحرب، إذ لا يقتصر على تدمير القدرات العسكريّة للخصم، بل يتعدّاه إلى كيّ وعي المجتمعات المستهدفة، وسلب الرغبة في القتال والمواجهة، وإقناع العدوّ (المقاومة وبيئتها) بأنّ كلفة الاستمرار في المقاومة أعلى بكثير من كلفة الاستسلام، وتدمير صورته الذاتيّة عن قدراته وإنجازاته.

هذا ما يفسّر لنا بدقّة واقع ضجيج الأخبار الزائفة وأنصاف الحقائق التي تجتاح الساحة اللبنانيّة والعالم العربي اليوم. إنّها ليست مجرّد أخبار مغلوطة، بل هي هندسة مبرمجة للهزيمة النفسيّة، تسعى إلى تعظيم أثر العدو، وتسخيف إنجازات المقاومين، وتحويل الانتصارات التكتيكيّة البسيطة للاحتلال إلى هزائم إستراتيجيّة مطلقة في ذهن المواطن العربي.

إنّ إعلام العدو وقادته يعترفون علنًا بأنّ صورهم فوق القلاع هي مجرد "مكياج على وجه مريض بالسرطان" و"قشرة ثوم" لا تحجب نزيفهم المستمر في مستوطنات الشمال. لذلك، فإنّ تحصين الوعي ومواجهة هذا الضخ الممنهج هو خطّ الدفاع الأوّل والأساسي، فالميدان بأرقامه وعناوين صحف العدو يؤكّد أنّ لبنان ليس مكسر عصا.

وإذا كان العدو يخوض معركته لسلبنا الرغبة في المواجهة، فإنّ ردّنا الأقوى يكون بتمسّكنا بوحدتنا ووطنيّتنا وبسرديّة الأرض وثبات المقاتلين، فإنّ لم تكن معنويّاتكم وسرديّتكم من وحي صمود الوطن.. فلتكن على الأقل بمستوى اعترافات وانكسارات عدوّكم!