مفاوضات واشنطن:السلطة اللبنانية تختار الهزيمة وتفرضها على الوعي حتى تبرر الاستسلام

بقلم: د. أمل سعد
(محاضرة في العلوم السياسية في جامعة كارديف)


*النص تعريب لمقال باللغة الانكليزية على موقع Middle East Eye في 4 حزيران 2026

-------‐---------------

"إن ما يُقدَّم على أنه وقف للأعمال العدائية ليس انسحاباً "لإسرائيل" من لبنان، بل هو إبعاد للمواطنين اللبنانيين عن أرضهم."


إن البيان الثلاثي الذي رعته الولايات المتحدة وصدر عن وزارة الخارجية الأمريكية يوم الأربعاء، في أعقاب الاجتماع الأخير رفيع المستوى بين ممثلين لبنانيين وإسرائيليين، يندرج ضمن نوع من الخنوع السياسي البالغ حدّ التطرف، لدرجة يصعب معها العثور على سابقة له في تاريخ إدارة الدول الحديثة.

إن لبنان، وهو دولة تتعرض للاعتداء، يشارك في التوقيع على وثيقة لا تشترط وقف إطلاق النار بانسحاب القوة المحتلة من أراضيه، بل تشترطه بانسحاب مواطنيه هو من أرضهم. كما أن اتفاق وقف إطلاق النار لا يأتي مشروطاً بإنهاء "إسرائيل" لعدوانها، أو انسحابها من الأراضي اللبنانية المحتلة، أو إطلاق سراح الأسرى, أو تمكين النازحين من العودة، بل تشترطه بوقف حزب الله لإطلاق النار وانسحابه من الجنوب.


بل إن "إسرائيل" لم تُذكر حتى بالاسم في ما يتعلق بالتزامات وقف إطلاق النار. وبالتالي، فإن ما يُقدم على أنه وقف للأعمال العدائية لم يُصغ على أنه انسحاب "لإسرائيل" من لبنان، بل على أنه إبعاد للمواطنين اللبنانيين عن أرضهم.

ولم يكن هذا الإغفال وليد الصدفة؛ فقد جرى تطبيع حرية العمل الإسرائيلية بالفعل في سياق عمل سابق، وبما أن هذا البيان لا يتضمن أي مطلب "لإسرائيل" بوقف هجماتها، فإن تلك التدابير السابقة تظل قائمة دون تغيير. وبدلاً من ذلك، فإن نقطة الارتكاز هي حزب الله، الذي جرى تعريفه لا بوصفه قوة مقاومة لبنانية تواجه الاحتلال، بل باعتباره المشكلة التي يجب تفكيكها في جميع أنحاء لبنان.

ومن خلال توقيعها على ادعاء وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو بأن حزب الله هو "عدو للبنان"، تمنح الحكومة اللبنانية  شرعية الدولة للمزاعم القائلة بأن المقاومة والمجتمع السياسي الذي تمثله هما عنصران خارجان عن الأمة اللبنانية نفسها.

وفي ضوء استطلاع رأي حديث يُظهر أن ما بين 92 و96 % من الطائفة الشيعية في لبنان يعارضون كل عنصر من عناصر هذه الأجندة، فإن هذا لا يعد مجرد خلاف سياسي، بل هو بمثابة عملية إسقاط للجنسية (نزع الصفة الوطنية). وبعبارة أخرى، فإن الحكومة اللبنانية تُعرّف الغالبية العظمى في واحدة من أكبر الطوائف في لبنان بأنها قوة معادية وغير وطنية، في حين تدعي أنه "لا توجد لديها نوايا عدائية" تجاه "إسرائيل" وهجومها الإبادي على لبنان.

وتعمل "المناطق التجريبية" المقترحة على تعميق هذا المنطق من خلال جعل سلطة الدولة اللبنانية في الجنوب مشروطة بـ "شهادة فحص وتدقيق خارجي"، ما يعتبر القوات المسلحة اللبنانية ليست جيشاً سيادياً، بل أداة تنفيذية للمتطلبات الأمنية الإسرائيلية، وبالتالي طرفاً محارباً وشريكاً "لإسرائيل" في حربها على لبنان.

ومما يدعو للإدانة أيضاً هو أن لبنان شارك في التوقيع على إدانة لإيران في اللحظة ذاتها التي كانت فيها طهران قد جعلت من وقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان أحد الشروط الأساسية لمفاوضاتها مع واشنطن.

ورداً على العمليات الإسرائيلية المستمرة في لبنان وغزة، كانت إيران قد تعاملت مع وقف إطلاق النار في لبنان كخط أحمر إقليمي؛ حيث علقت المحادثات مع الولايات المتحدة، وهددت بالإغلاق التام لمضيق هرمز ما لم تتوقف تلك الهجمات، وحذرت من أن أي ضربة إسرائيلية على بيروت ستؤدي إلى رد مباشر ضد "إسرائيل" والمخاطرة باستئناف الحرب ضد الولايات المتحدة نفسها.

وفي واقع الأمر، جردت الحكومة اللبنانية نفسها بنشاط من أداة الضغط المضادة الوحيدة المتاحة لها، بينما قدمت توقيعها للإطار الأمريكي-الإسرائيلي نفسه المصمم لعزل أداة الضغط تلك، وتجريم المقاومة ضد الاحتلال، وترك لبنان يتفاوض بمفرده تحت النيران الإسرائيلية.

وبغض النظر عن المضمون، فإن أهمية هذا النص تكمن في الشروط الجديدة التي أصبحت تحتها الحكومة اللبنانية قادرة على التحدث بلغة الأمن الإسرائيلي كما لو كانت لغة السيادة اللبنانية، وتقديم تفكيك المقاومة على أنه استعادة للدولة.

والسؤال هنا ليس فقط حول ما يجري التفاوض عليه، بل حول السبب الذي جعل مثل هذا المشروع ممكناً في هذا التوقيت. إن الإجابة البنيوية لا تكمن في أي تغيير يخص الأبعاد الاستعمارية للصراع، بل في التحول الذي طرأ على السياق الإمبريالي الذي تُخاض في إطاره المعركة المناهضة للاستعمار.

لعقود من الزمن، كانت سيادة لبنان المجزأة تُنتج عبر مصالح و/أو وصايات خارجية متنافسة؛ حيث كانت سوريا، والسعودية، وفرنسا، وإيران، والولايات المتحدة تدعم قوى محلية مختلفة وتغذي التناقضات التي منعت أي قوة بمفردها من تحقيق هيمنة كاملة على السياسة اللبنانية.

هذا التفتت منح حزب الله مساحة بنيوية للعمل داخل الدولة، كما سمح للحكومات المتعاقبة بمعارضته سياسياً، واحتوائه مؤسساتياً في بعض الأحيان - ولكن دون القدرة على استيعابه بالكامل أو القضاء عليه.

أما الحكومة الحالية فقد حسمت ذلك الفضاء متعدد الأقطاب لصالح الأحادية القطبية الأمريكية، مما أزال التناقضات التي كانت تجعل من المستحيل بنيوياً في السابق تجريم المقاومة بشكل كامل.

وفي هذه التشكيلة الجديدة، نصبت واشنطن نفسها وسيطاً حصرياً لأي تسوية مع "إسرائيل" - وهو توصيف يفتقر للمنطق بالنسبة للراعي الرئيسي "لإسرائيل" ومورد سلاحها ودرعها الدبلوماسي؛ إذ إن الدور الذي ينبغي -بالتعريف- أن ينتمي إلى طرف ثالث محايد، باتت تحتله الآن القوة ذاتها التي تضمن القدرة العسكرية للطرف المعتدي الرئيسي.

وقد بُنيت هذه الخطوة على حسابات خاطئة؛ حيث قرأت واشنطن وتل أبيب وحلفاؤهم اللبنانيون خسائر حزب الله عام 2024 وسقوط نظام الأسد في سوريا، إلى جانب الضغوط الأوسع على إيران، باعتبارها فرصة تاريخية - وهي اللحظة التي حققت فيها الولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب، إلى جانب "إسرائيل" المنتصرة، هيمنة إقليمية كافية لبسط سيطرة منفردة على لبنان لأول مرة.

ويظهر التطبيع ونزع السلاح معاً في هذا المشروع لأنهما أداتان لإنهاء الشروط البنيوية التي سمحت يوماً للمقاومة بالبقاء، مع إسناد دور الإداري المحلي لنظام صممته أمريكا "وإسرائيل" إلى الحكومة اللبنانية.

بيد أن ما تكتشفه الحكومة وداعموها الآن، هو أنهم اختاروا التحرك في اللحظة الدقيقة التي يعيد فيها حزب الله بناء قوته وتوطيد مكانته، وفي وقت ترسخ فيه إيران موقعها كأقوى قوة إقليمية والقطب الرئيسي المناهض للهيمنة ضد النظام الأمريكي-الإسرائيلي.

إن سوء تقدير الحكومة اللبنانية ليس مجرد قراءة استراتيجية خاطئة لميزان القوى، بل إنه يكشف أيضاً عن التكوين الفكري والسياسي الأعمق الذي يجعل مثل هذا الخطأ في الحسابات ممكناً في المقام الأول.

هذا التكوين يرتكز على طبقتين متمايزتين ومترابطتين من الاستبطان الاستعماري (تبني الفكر الاستعماري داخلياً) - هما الطبقة الأنطولوجية (الوجودية) والطبقة الإبستمولوجية (المعرفية) - تعمل كل منهما عند عمق مختلف، وتنتجان معاً طبقة سياسية لا تكتفي بمجاراة القوة الأمريكية-الإسرائيلية، بل فقدت القدرة على التفكير خارجها.

الطبقة الأولى، وهي الاستعمار الأنطولوجي (الوجودي)، تتمثل في استبطان القوة الإمبراطورية باعتبارها الأفق الدائم للواقع السياسي - وهي حالة من الانهزامية الكاملة التي لم تعد تُصنف حتى كمنهج انهزامي، بل كقراءة واقعية ومتبصرة للعالم.

أما الطبقة الثانية، وهي الاستعمار الإبستمولوجي (المعرفية)، فتتمثل في تبني المنظومة المعرفية للمستعمر، والتي من خلالها ترى الحكومة اللبنانية الصراع عبر عدسة النظام الأمريكي-الإسرائيلي نفسه: فتقبل تصنيفاته للسيادة، والمقاومة، والأمن، والسلام كما لو كانت نابعة من داخلها.

هذا المنطق لا يعمل عبر إظهار القوة الأمريكية-الإسرائيلية على أنها غير قابلة للهزيمة كحقيقة واقعية، بل بجعل التفسير الأمريكي-الإسرائيلي للصراع يبدو شرعياً وحقيقياً.

وفي النظرة الانهزامية للحكومة اللبنانية، تعمل الهيمنة الأمريكية ليس كترتيب قوة عارض ومؤقت من بين ترتيبات أخرى، بل كالأفق المحايد والخفي الذي يجب أن تتم في إطاره كل الحسابات السياسية. هذه هي الهيمنة بمعناها الغرامشي في أبهى صورها: ليست قوة تفرض نفسها بالإكراه، بل قوة تتحول إلى "منطق سليم عام" - تكف عن الظهور كقوة على الإطلاق، وتقدم نفسها كأفق دائم للممكن.

إنها، بهذا المعنى، شكل من أشكال الإمبريالية الميتا-سياسية، التي لا تعمل فقط على مستوى السياسات أو التحالفات، بل عند المستوى السابق لذلك، حيث يتم تعريف الواقعية والعقلانية والإمكانية. فالذين استبطنوا هذا الإطار لا يشعرون بأنهم استسلموا، بل بأنهم رأوا الأمور بوضوح؛ وبالتالي تظهر المقاومة في نظرهم غير عقلانية أو طوباوية، لأنها منفصلة عن "الواقع".

وعلى النقيض من ذلك، فإن رؤية المقاومة للعالم تمثل أنطولوجيا (وجودية) مختلفة - رؤية تتعامل مع الإمبريالية والاستعمار الاستيطاني باعتبارهما أمرين عارضين، أُنتجا تاريخياً، وبالتالي فهما قابلان للهزيمة، وليسوا واقعاً لا يمكن العودة عنه.

وتكشف النظرة الانهزامية للحكومة اللبنانية عن نفسها في لغة المسؤولين الذين يواصلون الحديث بهذه المصطلحات، حيث يُعاد وصف الخنوع بالواقعية، وتصبح المفاوضات مع "إسرائيل" المخرج الوحيد الذي يمكن تخيله.

هذه البنية الأنطولوجية تبدو واضحة في تعامل بيان وزارة الخارجية الأمريكية مع الاحتلال الإسرائيلي؛ فغياب أي مطلب بانسحاب إسرائيلي ليس مجرد إغفال دبلوماسي، بل يعكس منطق "نقطة الصفر" للنظام الأمريكي-الإسرائيلي، الذي يُعامل فيه الوجود الإسرائيلي على الأرض اللبنانية باعتباره الحالة الافتراضية العادية وغير الخاضعة للنقاش، كخلفية للواقع لا تتطلب أي اعتراف، في حين تظهر المقاومة اللبنانية ضد هذا الوجود كالخلل البارز الذي يجب تأديبه وضبطه.

كما يتضح ذلك أيضاً في إصرار رئيس الوزراء الأسبق فؤاد السنيورة على "أننا مجبرون على التعامل مع الأمريكيين"، وأن لبنان يواجه الآن "واقعاً مراً" لأن رفضه سيؤدي إلى "شيء أكثر مرارة". هذا ليس مجرد تقييم براغماتي للقيود، بل هو التكثيف اللفظي لرؤية للعالم جرى فيها بالفعل قبول القوة الأمريكية-الإسرائيلية كحد أقصى للممكن.

ويترجم قائد الجيش جوزيف عون هذه الأنطولوجيا نفسها إلى اللغة الاستعمارية للعقلانية وغير العقلانية؛ فعندما يعلن أنه "بين الانتحار والازدهار"، يختار هو وشعبه المفترض الازدهار؛ وأنه "بين الشعارات المضللة التي تدمر والخطوات العقلانية التي تبني"، يختارون العقلانية، عندها لا تُعامل المقاومة كاستراتيجية سياسية تختلف معها الدولة، بل كاضطراب في العقل نفسه.

ويُعاد تسمية رفض حزب الله للاستسلام بـ "الانتحار"، وتوصَف إرادته السياسية بـ "الغريزة"، وتُختزل تضحياته إلى ميتات لا معنى لها. وفي هذه الصياغة، تصبح السيادة هي حق الدولة في حماية السكان من رغبتهم المزعومة وغير العقلانية في مقاومة سلب ممتلكاتهم وأرضهم.

هذا المنطق هو الامتداد والمخاض المعاصر للمقولة الانعزالية اليمينية القديمة بأن "قوة لبنان في ضعفه". ومع ذلك، فإن الموقف الذي يسمي نفسه عقلانياً هو موقف ينطوي على هزيمة ذاتية عميقة، بإصراره على أن بإمكان لبنان التفاوض بمفرده، دون أن توظف إيران قوتها الإقليمية لصالح الدولة اللبنانية، على الرغم من عدم التكافؤ الهائل بين لبنان و"إسرائيل".

ومن الصعب عقلنة هذا الموقف باعتباره واقعية سياسية (Realpolitik) أو مصلحة عليا للدولة (Raison d’etat)؛ إذ إن الواقعية السياسية تتطلب تعظيم أوراق الضغط بدلاً من التخلي عنها، في حين أن المصلحة العليا للدولة تقتضي إخضاع كل الحسابات للدفاع عن الأرض والسيادة والشعب - لا قبول الشروط الاستراتيجية للطرف الذي ينتهكها.

وعليه، فإن ما يُقدم على أنه عقل سيادي هو في الحقيقة أقرب إلى "عقل الآخر" (Raison de l’autre) - أي دولة تفكر وتتصرف من خلال منطق الجهة التي تنتهك سيادتها.

ويتخيل المنطق نفسه أن التخلي عن الجنوب سيشتري الأمان لبقية البلاد، وأن "إسرائيل" ستكافئ الضعف بالسلام. وإن ترويج وزير الخارجية يوسف الرجي لصيغة "لبنان الصغير" كوسيلة لتأمين الازدهار والحماية للمسيحيين يجسد هذا الوهم بامتياز معزول.

وعندما يتعلق الأمر بالاستعمار الإبستمولوجي (المعرفي) - الذي لم تعد فيه الحكومة تذعن للنظام الأمريكي-الإسرائيلي فحسب، بل بدأت تفكر عبر فئات المنظومة التي تفرض نفسها على لبنان - فإننا نشهد مقايضة بين نوعين من السيادة.

تتخيل الحكومة أن بإمكانها الحصول على "سيادة فيبرية" (نسبة إلى ماكس فيبر)، أي احتكار العنف والقوة داخل لبنان، من خلال التخلي "لإسرائيل" عن "سيادتها الوستفالية" (نسبة إلى صلح وستفاليا) - وهي حق الدولة في السلامة الإقليمية والتحرر من التدخل الخارجي.

وفي مقابل نزع سلاح حزب الله ومنح الدولة سيطرة رسمية على الأسلحة، فإنها تقبل بأن تستمر "إسرائيل" في القصف، والاحتلال، وإملاء الشروط الأمنية، وتحديد متى يكون لبنان قد امتثل بشكل كافٍ. وهكذا تُمنح الدولة سيادة وهمية على سكانها في مقابل التنازل عن السيادة للعدو.

وهناك أيضاً بعد قيمي لهذا الموقف السياسي؛ إذ يفترض موقف الحكومة أن الحياة المنظمة حول التكيف والاستقرار والازدهار المادي هي حياة إنسانية أكثر اكتمالاً من حياة سياسية منظمة حول التحرر الجماعي والعدالة والكرامة والتضحية.

وعلى هذا النحو، فإن الحكومة لا تكتفي بالاختلاف مع استراتيجية حزب الله فحسب، بل إنها ترفض عالم القيم الذي تصبح فيه المقاومة خياراً سياسياً ذا معنى. ولذلك، فإن الصراع في نهاية المطاف ليس على السلاح، بل على السؤال الأسبق: ما هي الغاية من السيادة؟

منشورات ذات صلة