محلقات حزب الله الانتحارية تكشف عن تكيف سريع يجعل حيش الاحتلال تحت التهديد الدائم

شهدت الحرب الحاليّة على جبهة جنوب لبنان، استخدامًا مكثّفًا من قبل حزب الله لطائرات الدرون الّتي يُستهدَف من خلالها دبّابات العدوّ وآلياته وجنوده .

في هذا الإطار، يجيب المتخّصص في التّقنيّات الجويّة العبّاس أيّوب "بيروت ريفيو" على عدد من الأسئلة المرتبطة بهذا المجال، مؤكّدًا أنّه في عام 2026، لم يعد السّؤال الملحّ في أروقة الجيوش هو "منْ يملك السّماء؟"، بل أصبح: "من يستطيع جعل السّماء نفسها بيئة غير قابلة للسيطرة؟"

تآكل هادئ للمفاهيم الكلاسيكيّة للقوّة الجويّة

ويشير إلى أنّنا نشهد اليوم تآكلًا هادئًا للمفاهيم الكلاسيكيّة للقوّة الجويّة، ليس بسبب اختراقات تكنولوجيّة معقّدة أو طائرات بأسعار فلكيّة، بل عبر أدوات تبدو في شكلها الخارجيّ أقرب إلى "لُعب الأطفال" منها إلى السّلاح الفتّاك. لكن ما تفعله هذه "اللّعب" في ميدان المعركة اليوم يتجاوز بكثير حجمها وكلفتها.

وبحسب أيّوب، فإنّ المحلّقات الانتحاريّة، وخصوصًا درونات الـFPV، لم تدخل القتال كمجرّد قطعة إضافيّة في المخازن، بل كعامل "نوعيّ" نسف العلاقة التّقليديّة بين الكلفة والأثر. ويلفت إلى أنّ الجيوش النّظاميّة لم تعد تواجه تهديدًا يمكن احتواؤه بمنظومات دفاعيّة جاهزة، بل باتت غارقة في استنزاف مستمرّ، لا يطال الموارد المادّية فحسب، بل يضرب القدرة على اتّخاذ القرار.

ويؤكّد أيّوب أنّ اليوم، أيّ هدف مرتفع القيمة، من دبابة "ميركافا" إلى مقرّ قيادة، أصبح تحت رحمة ضربة دقيقة من منصّة لا يتجاوز ثمنها جزءًا بسيطًا من قيمة الهدف نفسه. هذه الدّرونات ليست "شبحيّة" بالمعنى التّقنيّ، لكنّها تتصرّف كأنّها كذلك؛ إذ يوضح أيّوب لـ"بيروت ريفيو" أنّها تلتصق بالأرض، تستغلّ التّضاريس، وتنفذ من الثّغرات الزّمنية في دورات الرّصد.

أمّا المشكلة، وفق أيوب، فليست في الرّادارات بقدر ما هي في "عامل الزّمن"؛ الفاصل بين اكتشاف المسيّرة والتّعامل معها بات أقصر من أن يُستثمر. ومع تكتيك "الأسراب"، يتحوّل سيل الأهداف الصّغيرة إلى كابوس للدّفاع الجوّي: ماذا تعترض، وماذا تترك يمرّ؟ في هذه اللّحظة، لا تُستنزَف الصّواريخ الاعتراضيّة فقط، بل يُستنزّف "القرار" نفسه تحت ضغط الفرز المستمرّ.

تكتيك الأسراب والتفوّق منخفض الكلفة

يشير أيّوب إلى أنّه على الجبهة الشّمالية لفلسطين المحتلّة، يبرز تحوّل لافت في أداء المقاومة؛ حيث انتقل حزب الله من استخدام الدّرونات للإزعاج أو الاستطلاع إلى دمجها في منظومة نيران دقيقة ومتعدّدة الطّبقات. لم يعد الأمر مجرد إطلاق عشوائيّ، بل تكتيك مركّب يعتمد الإشباع العدديّ لفتح ثغرات نوعيّة.

ولعلّ "المفاجأة" التّقنيّة الأبرز كانت في الاعتماد على الألياف الضّوئية (Fiber Optic) للتّوجيه؛ وهي مقاربة تمنح الدّرون حصانة مطلقة ضدّ التّشويش الإلكترونيّ، وتؤمن بثًّا ثابتًا حتّى لحظة الارتطام، وكأنّ المقاومة قرّرت الانسحاب من صراع الطّيف الكهرومغناطيسي كليًّا حين فقد جدواه.

أمّا في "هندسة الإصابة"، فالتّغيير بات أكثر دقّة. لم يعد المطلوب انفجارًا كبيرًا، بل اختراقٌ موضعيٌّ حاسمٌ. دمج قذائف PG-7VL (نافذ) أو العبوات المشكلة انفجاريًّا (EFP) على هذه المحلّقات، جعل استهداف الدّبابات -Merkava Mark III في مركبا ومرغليوت- يخضع للمنطق الهندسيّ البحت: زاوية الإصابة ونقطة الضّعف أهمّ من سماكة الدّرع الإجمالي.

من الأثر العسكريّ إلى الحرب النّفسيّة وإعادة صياغة العقيدة

ويوضح أيّوب أنّ الأثر الأعمق يتجاوز الحديد والنّار إلى "سيكولوجيا الميدان". طنين هذه الدّرونات، حتّى قبل رؤيتها، أصبح جزءًا من بيئة التّهديد الدّائمة. الجنديّ لا يحتاج لرؤيتها كي يرتعب؛ يكفي احتمال وجودها ليشلّ حركته وتمركزه. هذا "التوتر المزمن" هو سلاح بحدّ ذاته.

بناءً على كلّ ما تقدّم، يخلص أيّوب إلى أنّنا أمام إعادة صياغة كاملة لشروط القتال. هذه الدّرونات تفرض على الجيوش النّظاميّة عقيدة لم تعتد عليها، وتدفعها للتّساؤل: هل لا يزال من المجدي نشر منصّات ثقيلة وباهظة في بيئة مشبّعة بـ"الموت الرخيص"؟ المبادرة، اليوم، لم تعد بيد من يملك التّكنولوجيا "الأعلى"، بل بيد من يملك الذّكاء في استخدام "الأبسط".