تسليم المحكومين إلى سوريا

رضوخ لبناني على حساب السيادة والعدالة


بعد رفض لبنان بدايةً تسليم المتورّطين بدماء العسكريين اللبنانيين إلى السلطات السورية، لأسباب سيادية، رضخت الحكومة اللبنانية، ووقعت في 6 شباط 2026 الاتفاقية القضائية التي تقضي بنقل 300 من المحكومين السوريين في السجون اللبنانية إلى سوريا خلال 3 أشهر من بينهم مدانون بقتل مدنيين لبنانيين وعسكريين من الجيش اللبناني.

وتبرز الاتفاقية القضائية كعنوان للتخلي عن السيادة القضائية، بما لا يراعي مصالح لبنان، ويميّز بين السجناء اللبنانيين والسوريين. فهي تشمل الموقوفين الذين قضوا أكثر من عشر سنوات من عقوبتهم في لبنان، ما يسمح بتسليم الغالبية العظمى من السجناء، بما في ذلك من أدانتهم المحاكم اللبنانية بجرائم قتل مدنيين وعسكريين لبنانيين.

وفشلت السلطات اللبنانية حتى في إلزام نظيرتها السورية باستكمال عقوبة المدانين بجرائم القتل بعد تسليمهم لبلادهم. بحسب مصادر "المدن" (في 29 كانون الثاني 2026)، فإنّ البند العاشر من الاتفاقية أخذ الحيّز الأكبر من النقاش، وذلك بعدما كان الفريق اللبناني قد اقترح أن تتضمن الاتفاقية نصًّا لا يتيح للسلطات السورية العفو عن المحكومين بعد تسليمهم، وأن يقضوا محكوميتهم في السجون السوريّة. لكن الجانب السوري اعترض على هذا النّص، لأنه يريد أن يبحث ملف كلّ محكومٍ ويتّخذ القرار بشأنه إما بالعفو عنه أو بقضاء محكوميته. وبعد الإصرار السوري، رضخ الجانب اللبناني بإزالة هذه الفكرة بشكلٍ تامّ من مسودة الاتفاقيّة. وقد جاء رضوخُ الجانب اللبناني بعد تدخّلٍ سعودي ألزم الطرف اللبناني على التراجع نهائيًا عن هذا البند.

‏في هذا الإطار، انتقد القاضي المتقاعد جان طنوس الاتفاقية مؤكدًا أنها تشكل مخالفة لاتفاق التعاون القضائي المعقود بين لبنان وسوريا لعام 1951 وملحقه لعام 1997، اللذين لا يجيزان نقل المحكومين لإكمال محكومياتهم خارج إطار التسليم وتنفيذ الأحكام وفق الأصول القضائية المحددة حصرًا. سيادة القانون ليست ترفًا. وعليه، يحقّ لكل ضحية من أي جرم ارتكبه أي شخص مشمول بهذه الاتفاقية، ولم يُسدَّد له التعويض المحكوم به، الصفة والمصلحة لطلب إبطال هذه الاتفاقية أمام مجلس شورى الدولة لانعدام مشروعيتها القانونية.

وأمام ما سبق، تبرز مجموعة من الأسئلة:

- كيف تسمح الدولة اللبنانية بإمكانية العفو عن إرهابيين أَقدموا على قتل جنودها ومدنييها، وما هي تبعات هذا السماح على هيبتها؟ 
- أين هو حق عوائل الشهداء بالقصاص العادل من قتلة أبنائهم؟ 
- أين هي المصلحة اللبنانية بنقل محكومين سوريين إلى بلادهم، قد يُعفَى عنهم في أي لحظة، فيما لديهم شركاء في الجريمة لبنانيون ويحاكمون في السجون اللبنانية بالجرائم عينها؟ ألا يمسّ هذا الإجراء بمبدأ المساواة؟ 

إشارة إلى أنّ عددًا من المحكومين السوريين في السجون اللبنانية متورطون في جرائم اختطاف عسكريين في عرسال عام 2014، وابتزاز الدولة اللبنانية بهم ثم إعدامهم وبث عمليات الإعدام عبر شرائط فيديو وزّعت على وسائل الإعلام، فضلًا عن متورّطين مع "جبهة النصرة" و"داعش" بتنفيذ تفجيرات في مناطق سكنية أردت بحياة مواطنين لبنانيين مدنيين في مختلف المناطق اللبنانية.

منشورات ذات صلة