بين برلين الغربية وزوطر الغربية: حين يتحول رفع العلم إلى إنجاز

بقلم: نبيل بو نصر الدين
(كاتب وباحث لبناني)



في الثلاثين من نيسان عام 1945، وبعد حرب عالمية خلّفت عشرات الملايين من القتلى والجرحى، وبعد معارك ضارية في شوارع برلين، تمكن الجيش السوفياتي من بلوغ مبنى الرايخستاغ. كان الجندي الذي رفع العلم الأحمر قد خاض سنوات الحرب منذ بداياتها، وتجرّع مرارتها، وشهد أهوالها، وربما نجا من الموت مرات لا تُحصى. لذلك لم يكن رفع العلم مجرد حركة رمزية، بل كان تتويجًا لانتصار عسكري هائل، وإعلانًا عمليًا عن سقوط ألمانيا النازية، التي وقّعت بعد أيام قليلة استسلامها غير المشروط.


أما في زوطر الغربية، فالصورة مختلفة تمامًا. لم يكن هناك انتصار عسكري حاسم، ولا نهاية حرب، ولا استسلام للخصم. جاء رئيس الحكومة اللبنانية ليغرس العلم اللبناني في مشهد قد يحمل في طياته دلالة رمزية على عودة الدولة، كما قد يكون له أسباب أخرى متعددة، إلا أن الصورة بدت أقرب إلى صناعة صورة إعلامية منها إلى تفقد أحوال البلدة والوقوف على احتياجات أهلها بعد العدوان الإسرائيلي الوحشي عليها، ولا سيما أن رئيس البلدية وأعضاء المجلس البلدي، وهم الجهة المعنية مباشرة بشؤونها، لم يعلموا بالزيارة؛ لأنها جاءت بسرية تامة "لتضخيم" الحدث و"مخاطره".


المقارنة هنا ليست بين الرايخستاغ وزوطر الغربية، ولا بين الجيش السوفياتي والجيش اللبناني. هنا لا مجال للمقارنة. إنما المقارنة هي بين ذهنية ترى في الصورة إنجازًا، وبين الإنجاز الحقيقي الذي يُقاس بالأفعال والنتائج.


وهذه الذهنية ليست جديدة. فقد رأيناها في الاحتفاء الرسمي بخروج أول حاوية من مرفأ بيروت إلى المملكة العربية السعودية منذ أيام قليلة مضت، وكأن الحدث بحد ذاته إنجاز وطني، فيما تُقاس إنجازات الدول بإصلاح مؤسساتها، وإنعاش اقتصادها، واستعادة ثقة مواطنيها، لا بالمشاهد الاحتفالية.


فالأعلام تكتسب قيمتها من الوقائع التي تقف خلفها، لا من الصور التي تُلتقط لها. فالعلم الذي رُفع فوق الرايخستاغ كان خاتمة حرب غيّرت وجه العالم، أما أي علم يُرفع اليوم فلا يكتسب معناه إلا إذا كان تعبيرًا عن سيادة مكتملة، ومؤسسات فاعلة، ودولة قادرة على حماية أرضها وخدمة مواطنيها.


ثمة فرق آخر لا يقل أهمية. فرفع العلم فوق الرايخستاغ كان إعلانًا عن تحرير الأرض من النظام النازي بعد انتصار عسكري حاسم. أما في زوطر الغربية، فإذا كان البعض حاولوا تصوير غرس العلم على أنه إعلان لتحرير الجنوب من النفوذ السياسي الإيراني، فإن هذا التوصيف لا يصمد أمام الواقع. فإيران ليست مجرد نفوذ سياسي يمكن إزالته بصورة رمزية، بل هي تمتلك علاقات اجتماعية وعقائدية متجذرة منذ أكثر من 40 عامًا (كما صرح بذلك فخامة رئيس الجمهورية في واشنطن)، وشبكة تحالفات داخل شريحة واسعة من المجتمع في الجنوب والبقاع والضاحية. وسواء اتفق المرء مع هذا الواقع أم اختلف معه، فإن تجاوزه أو إنكاره لا يغيّره.


إن استعادة الدولة لا تتحقق برفع الأعلام، بل ببناء دولة يشعر المواطن أنها دولته، فيكون ولاؤه لها لأنها عادلة وقادرة وتحمي حقوقه، لا لأنها رفعت علمًا في ساحة أو على مبنى.


ألم يكن أولى أن يُرفع العلم بعد الانتهاء من معركة التعيينات الإدارية على أساس الكفاءة، بحيث يكون الرجل المناسب في المكان المناسب، بعيدًا عن المحاصصة الحزبية والعلاقات العائلية وتنفيعات المقربين؟
أو بعد إقرار قانون استقلالية القضاء وتطبيق القوانين بحذافيرها، فيكون القضاء حاميًا للمواطن اللبناني لا أداة بيد السلطة؟


أو بعد الحصول على كهرباء أربعًا وعشرين ساعة كما في جميع دول العالم المتحضرة والنامية، فلا يبقى المواطن رهين المولدات والفواتير المزدوجة؟


ألم يكن أجدى أن يُرفع بعد الانتصار في معركة استعادة الأموال المنهوبة وتحرير الودائع المحتجزة؟


والأهم، أن يسبقه انتصارٌ في استعادة سيادة الدولة على قرارها، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي الكامل، بحيث يصبح العلم تعبيرًا عن سيادة مكتملة لا عن أمنية نتطلع إليها؟


إن أمام رئيس الحكومة معارك حقيقية: معركة بناء الدولة، وإصلاح الإدارة، وإقفال مزاريب الهدر والفساد، واستقلال القضاء، واستعادة ثقة المواطنين، وفرض سيادة القانون على الجميع بلا استثناء، وترسيخ الشفافية والمحاسبة... وعندما تتحقق هذه الإنجازات، يستطيع أن يرفع ما يشاء من الأعلام، في زوطر الغربية، وزوطر الشرقية، وفي كل قرية ومدينة لبنانية.

منشورات ذات صلة