مَن كان بيته من زجاج الشاه... لا يرمي المقاومة بحجارة السيادة: التاريخ الايراني لـ"الوطنيين الأحرار"

بقلم: علي نقر

(صحافي) 

يخرج الحفيد، كميل دوري شمعون، في تصريح تلفزيونيّ يفيض بنفاق سياسي مصطنع، مهيناً اللباس  الديني الذي يمثّل خط المواجهة اليوم، ليسوّق معزوفة "الاحتلال الإيراني". فات الحفيد أن المشكلة لديه تكمن في عقيدة التبعية؛ فقد اعتاد هذا البيت السياسي أن يكون تابعاً للزي العسكري الأجنبي، وتعودت قواه أن تكون مأمورة تنفّذ الإملاءات، وشتان بين إمامة السادة وإمرة العبيد. يحاول هذا الخطاب الاستعراضي غسل تاريخ ممتد من الارتهان، وتغطية حقيقة أن مسطرة هؤلاء الوحيدة في تقييم طهران هي "موقع إيران من الكيان الصهيوني".

وتكشف العودة إلى سجل الجد، كميل شمعون، زيف هذه السيادة بالحقائق؛ إذ أسس لقاؤه بشاه إيران عام 1957 تحالفاً مخابراتياً رعته واشنطن، ليشرّع البلاد أمام اختراق سيادي كامل جمع في غرفة عمليات واحدة كلاً من "السافاك"، والموساد الإسرائيلي، والاستخبارات التركية بهدف محاصرة جمال عبد الناصر. وبناءً على طلب الشاه، نُفذت "الخطة الخضراء" التي حوّلت بيروت إلى مقر للعمليات السرية الإيرانية بإدارة ضابط السافاك حامد ناصري. وحينها، يوم كانت طهران في الأحضان الصهيونية، كان التدخل الإيراني مشروعاً ومرحباً به لدى شمعون وجوقته دون أن تنبس الشفاه بكلمة عن انتهاك السيادة.

يتعدى الأمر التنسيق الأمني إلى وظيفة عسكرية مباشرة؛ فالوثائق تؤكد اعتماد كميل شمعون وميليشيات "الوطنيين الأحرار" في تسليحهم على إمدادات من الشاه. وتكمن الفضيحة في أن تلك الأسلحة غنمها العدو الصهيوني من الجيش المصري خلال عدوان 1956، ونقلتها إيران الشاه مباشرة إلى جماعة شمعون لضرب الخصوم في الداخل، ليصبح السلاح الإسرائيلي المهرب "شرعياً وسيادياً" في عُرفهم. ولم تقف حدود الدعم عند التسليح؛ إذ رصد "السافاك" ميزانيات مالية مباشرة لتمويل انتخابات 1960؛ حيث طلب بيار الجميل صراحة مئة ألف دولار للدعاية، وتلقت الكتلة الوطنية المال، وتولى الضباط الإيرانيون فريبورز فارزانه ومنصور قدر إدارة شبكات الرشاوي للصحف والسياسيين.

تتحرك معادلة "السيادة" عند هذه المنظومة وفق الارتهان للخارج، وتنجلي هذه الحقيقة في محطة 1969؛ فعندما قطعت الدولة اللبنانية في عهد الرئيس شارل حلو العلاقات مع طهران—إثر انتهاك الشاه للقوانين وتهريب رئيس السافاك السابق تيمور بختيار المتلبس بتهريب السلاح في بيروت—هرعت قوى اليمين لتطويق القطيعة مع مشغّليها. هذا القطع انتزعه ضغط الأجهزة الأمنية والمكتب الثاني لحفظ هيبة الدولة، ليعقبه سريعاً في صيف عام 1971 طيران كميل شمعون الجد إلى طهران مستجدياً الشاه إعادة العلاقات وضخ الدعم المالي والعسكري لميليشياته، في مشهد يسحق ادعاءات الحفيد الراهنة؛ فقطع العلاقات الدي كان صوناًلما تبقى من  دولة، أطاح به زحف الجد لاستعادة المظلة الشاهنشاهية-الصهيونية.

تنجلي الحقيقة العارية بأن الأمر لم يكن يوماً مسألة كرامة وطنية، إنما هو ارتهان وظيفي يتغير بموقع القوى من الاحتلال. عندما كانت إيران الشاه تحالف الكيان الصهيوني، كان سلاح "السافاك" وتمويله مرحباً بهما بالزحف الشخصي للجد، وعندما قطعت إيران علاقتها بالاحتلال ووقفت في خط المواجهة ضده، تذكّر الحفيد نغمة "السيادة" وبدأ يهين زي العلماء ويحرض على سلاح المقاومة. يثبت هذا الانقلاب أن معيارهم هو القرب من إسرائيل؛ فكل سلاح يواجهها هو "احتلال"، وكل مال يحمي حدودها بالأمس كان "سيادة". هؤلاء ليسوا حراس وطن، هم أدوات تسعى لتجريد لبنان من قوته وتحويله إلى نسخة من "سلطة الضفة الشرقية" للتنسيق الأمني وحماية كرامة الاحتلال، والتاريخ لا يرحم المأمورين.

منشورات ذات صلة