عن الحب… في الحرب
عندما يغيّرك حبّ "المس" زينببقلم: فاطمة نور الدين
(إعلامية وتربوية)
كنت أكره الفرنسية، وتشاركني كثيرات من زميلاتي هذه المشاعر. بل كنت أتحجّج بأن من يتقن الإنكليزية لن يحتاج، في هذا الزمن، إليها. لكن تغيّر كل شيء حين دخلت معلمة جديدة صفّنا، بدت للوهلة الأولى فرنسية الجنسية، بعينيها الزرقاوين وبشرتها البيضاء الناصعة. اسمها زينب. حتمًا هي لبنانية. لهجة لا تشوبها شائبة، وابتسامة تأسر قلبك.
لا أذكر إن كان أسلوبها هو الذي حبّبني بحصّة اللغة الثانية، الفرنسية، أم شخصيتها الفريدة. خريجة ترجمة من الجامعة اليسوعية، تعشق اللغات، ولديها طموح كبير في عالم الأدب والترجمة.
كنّا، كطلاب، ننتظر العمود الذي يكتبه والدها، الأستاذ القدير، رحمه الله، مهدي ناصرالدين، في مجلة «أجيال المصطفى»، بمواضيعه الجذّابة وأسلوبه المبدع، المليء بالصور البيانية والكوميديا. أجل، كانت جمله تضحكنا، وتضحك جميع أفراد العائلة الذين يسارعون إلى قراءة ما يكتبه شهريًا ودوريًا.
ومعرفتنا بأنها ابنته أشعرتنا وكأننا اكتشفنا سرّ تميّزها. حتمًا الجينات لعبت دورًا. فكيف عندما علمنا أن المس نورا شمس الدين هي والدتها؟ مزيج من شاعريّة هذه العائلة وتلك، وخلطة ربّانية وضعها الله في دربنا، نحن الذين كنّا نعاني في التفريق بين لفظ o وu بالفرنسية.
لكن ما لم نكتشفه في صغرنا اكتشفناه لاحقًا. شخصية زينب كانت حصيلة سنوات من الإصرار والمثابرة، ومعدنًا أصيلًا من الأخلاق والمحبة.
زينب الشاعرة، التي كان يختار الراحل جبران تويني نشر قصائدها في الصفحات الأولى من مجلة «نهار الشباب»، ويضع قصائد أخيها الشاعر محمد في الصفحة الثالثة، لأن برأيه ليس الجميع كزينب!
ترجمت كتبًا، وعلّمت طلابًا، وأسّست عائلة محبّة: حسن، وزهراء، وعباس، وحسين. أربعة أولاد ربّتهم زينب. الابن الأكبر كان سيدرس الهندسة في الجامعة اليسوعية، والبقية في المدرسة، لكل واحد منهم شخصية فريدة. طالعتنا صورهم، وحفرت في قلوبنا ابتساماتهم ووجوههم الجميلة المشرقة.
لزينب علاقة بالأرض كما بالإنسان. كانت تكتب، ومن يكتب يخلّد.
كتبت زينب عن غربتها بعد الحرب وشوقها إلى الياسمينة في بيتها. وصفت شوقها إلى الضاحية وإلى جدران بيتها، وقد لامس كل حرف من حروفها وجعنا.
كانت لها قدرة على البيان والتعبير، وإرادة حياة.
زينب التي نتذكّرها كمعلمتنا، التي كنّا ننتظر قصصها في كل حصة، والنموذج الذي أحببنا أن نصبح مثله.
ترحل اليوم، وستبكيها أشجار الياسمين في عربصاليم وسجد وكل الجنوب. وستشتاق إليها طرقات الضاحية.
سنظلّ ننتظر ما سيكتبه أخوها محمد عنها، ونتذكّرها عند كل رشفة قهوة، أو عندما نمرّ بجانب «إكسبريسو».
ولأن لزينب حقًا في رقابنا، سنكمل صمودنا. سنعيد كلماتها في أذهاننا مرارًا وتكرارًا، لأن من يقتله العدو اليوم هم أهلنا وناسنا وأحبابنا؛ لهم حكاياتهم وأحلامهم ومسيرة طويلة من التضحية في هذا البلد الذي عاشت فيه منذ أكثر من أربعين عامًا، وهي تكافح وتعطي وتمنح كل من حولها عطاءات من علمها ومحبتها.
وأستعير من كلمات زينب:
«جدران بيوتنا، التي شهدت أفراحنا وأتراحنا، صارت صورًا للدمار والخراب.
أغمض عينيّ عن هذه “التغريبة” قليلًا، أخالني خلف نافذتي، في بيتنا هناك، أتأمل ولديَّ من خلف أصيص “الخبيزة” الذي كان بوروده، جنتي الصغيرة في الديار، يسيران إلى مدرستهما القريبة، ورائحة القهوة من “الإكسبريس” القريب تملأ المكان. أشتاق لفنجان الإسبريسو “كبسة وحدة” الذي صار يؤرقني غيابُه ليلًا أكثر مما كانت تؤرقني كمية الكافيين المركّزة فيه.
أنتظر قرب النباتات التي لا تحمل الورود، أَعُدُّ فناجين القهوة، أخفي وهن أصابعي، وأجمعها، فناجين للزمن.
أتأمل الشرفات، أبحث عن “ياسمينة” وحيدة، أشمّ منها نسمة من عبق ياسمين كثير في حيّنا.
سأحضر واحدة للشرفة في المنزل البديل. سأزرع واحدة تنبت ورودًا في كل هذه النباتات التي لا تحمل الورود، علّني بين أطباقها أستعيد شيئًا من فتات قلبي المتصدّع تمامًا، كجدران بيتي الذي أرسلوا لي صوره وما استطعت أن أزوره وأراه.
ولا أحبس، كعادتي، دمعي هذه المرة. أغمض عيني، وأتركه يحفر طريقه على خدّي، وأتذوّق ملوحته الحارقة كالعقاب.
تصيبني رائحة البارود القادمة من الضاحية بنوبات بكاء، لكني صرت أحب هذه الرائحة؛ تحمل لي معها رائحة الدفء والبيت وكل ما أحبّ هناك.»
وأقول لها:
لم تعودي عالقة بين الماضي والحاضر، لأن دماءك ترسم اليوم المستقبل.
وكل الذكريات المتناثرة بين رماد الأبنية في الضاحية والبساتين المحروقة في الجنوب، سنجمعها، وسنخلّدها، وسنحكيها شعرًا كما أحببتِ، يا زينب…