من كلمة نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، العلامة الشيخ علي الخطيب، خلال ندوة إصدار كتاب «كلمات من نور» للمؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم، يوم الاثنين في 28/9/2026.
إنها مناسبة عزيزة وعظيمة. شهادة سماحة السيد أعطت أبناءه وأهله حياة جديدة في هذا الزمن الذي شاء فيه أعداؤنا، ورأوا في الإبادة ثقافة، يروّجون لها ويعملون لها ويمارسونها.
شهادة سماحة السيد حسن نصر الله هي أعطت هذا الخط وهؤلاء الأبناء وللأجيال القادمة آمالًا عراضًا في الوصول إلى الأهداف التي سعى من أجلها ونسعى من أجلها، ولم تكن شهادته كما يريد أعداؤنا أن يلقوا اليأس في نفوسنا، فنحن ثقافتنا ثقافة الأمل.
شهادة السيد حسن هي في هذا الخط، خط الأمل بالحياة الأبعد، الأعمق، المرتبطة أيضًا بالقيم والأخلاق.
المقاومة هي وسيلة للدفاع عن هذه القيم التي نرتبط بها ونتحدث عنها، هي القيم الإنسانية. المقاومة هي للدفاع عن هذه القيم المزروعة في نفوس أبنائنا وأهلنا وإخواننا.
الحياة بلا قيم تصبح على الشاكلة التي نراها في أيامنا هذه، على شاكلة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، اللتين تشنان هذه الحرب العدوانية على لبنان وعلى فلسطين وعلى المنطقة وعلى إيران.
هناك حلقات من الحرب التي تعرضت لها مجتمعاتنا، ثقافية وأخلاقية، ولكننا بفضل هذا الفكر، وبفضل هذه الثقافة، وبفضل إخواننا الذين لم يتراجعوا ولم يخافوا ولم يجبنوا، واجهوا في أقسى الحالات، موضوع الثقافة قبل موضوع البندقية. من يحمل البندقية يحتاج إلى فكر، يحتاج إلى قوة معنوية. هذه القوة الأخلاقية والمعنوية هي التي تجعلك تصمد في الساحة مهما كان العدو قويًا، ومهما كان سلاحك ضعيفًا، فالسلاح الأمضى هو الفكر، هو المعرفة، هو التربية، هي الأخلاق، هي القيم.
ولذلك نحن صمدنا رغم كل ما مرّ علينا في التاريخ، وليس في هذه الفترة فقط، وبقيت هذه المدرسة الحسينية ثابتة، تقوم بدورها في الأمة، الذي هو الدور الإصلاحي والمعرفي قبل أي شيء، وواجهت على مرّ هذه الفترات.
نحن نواجه أعتى قوة في العالم، هي الولايات المتحدة الأميركية، التي هي العدو الأساسي، التي تحارب شعبنا وتحارب بلادنا وتقوم بجرائم الإبادة، لأنهم لا يؤمنون بهذه القيم ولا يؤمنون بقيمة الإنسان، وإنما يؤمنون بالمصالح ويؤمنون بأن الحق حق القوة، لا قوة الحق.
هذا الحضور لأهلنا، هذا الصمود لأهلنا، هذه التضحيات التي تعطي صورة استثنائية في هذا العالم من الشجاعة والقوة والتضحية، في الدفاع عن هذه القيم، في الدفاع عن كرامتنا، في الدفاع عن ثرواتنا، في الدفاع عن مستقبل أبنائنا، في الدفاع عن هذه المقاومة التي تدافع عن هذه القيم المشتركة وتدافع عن لبنان، لا تدافع عن الطائفة الشيعية، لأن هذه القيم مرتبطة بالإنسان أساسًا.
نحن نحمل مبدأ العدالة، الدفاع عن العدالة. الهدف الأقصى هو تحقيق العدالة الإنسانية، ونواجه الظلم أيًا كان الظلم، وأيًا كان فاعله، وأيًا كان المظلوم. نحن نرتبط بالقيم. الإسلام ليس سوى هذه القيم، والتشيّع ليس سوى هذه القيم: الحق والعدالة ومواجهة الظلم. الظلم حرام على أيٍّ كان وفي أي بقعة وقع. نحن مع الحق، لهذا لا نفرّق بين شعبنا، بين مسيحي ومسلم. الذين يتمسكون بالعصبية الطائفية فيقولون: هذه المقاومة لها أهداف طائفية، يدافعون عن الشيعة والتشيّع. والله، لو كنا في أقصى لبنان وتعرّض لبنان لما تعرّض إليه، لما وقفنا ننظر إلى أبنائنا وإلى أهلنا يُقتلون وتُدمّر بيوتهم ويُقتل أبناؤهم ويُشرّدون من بيوتهم وتُجرّف بيوتهم ومدنهم وقراهم، لما وقفنا ننظر هكذا، وإنما لكنا السبّاقين إلى الدفاع عنهم.
لا تصغّرونا على قدركم، فنحن أكبر من هذا بكثير. هؤلاء ليسوا أصحاب فكر، هؤلاء لا ضمائر لهم، هؤلاء باعوا ضمائرهم بدراهم قليلة، والبعض للأسف تأثر بهذه الدعاية العصبية الطائفية. نحن لسنا عصبيين، نحن عصبيون للحق في مواجهة الظلم، لذلك نفتقد اليوم سماحة السيد حسن نصر الله وإخوانه من الشهداء الذين دفعوا دماءهم في سبيل هذه القيم، وفي سبيل لبنان، وفي سبيل العرب، ومنهم إخواننا الفلسطينيون.
نحن لن نتخلى عن علاقتنا مع عالمنا العربي والإسلامي، ولن نكون أحجارًا صماء أمام ما نراه من مواجهات ومن قتل ومن ظلم. هؤلاء إخواننا ونحن مسلمون، وفوق هذا نحن إنسانيون. الولايات المتحدة الأميركية خرج منها طلاب الجامعات بشعورهم الإنساني يساعدون الفلسطينيين، ونحن إلى جانبهم. يريدون منا أن نتبرأ من أنفسنا، ولن نتبرأ من أنفسنا.
إننا نفتقد سماحة السيد حسن نصر الله في هذه الأيام، ولكن أخاطبه: إن أبناءك، هذه المدرسة وغيرها من المدارس المماثلة، هؤلاء من ثمار شجرك الذي زرعت. هؤلاء مستمرون، وهذا الخط تقدم كثيرًا بشهادتك وشهادة أبنائنا وإخواننا وقادتنا وأعزائنا. لا نشعر بالهزيمة، بل نشعر بالانتصار. انتصرنا أولًا على أنفسنا، أننا لم نهرب ولم نشعر بالجبن أمام الجبروت والطغيان وقوة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل. شعرنا بأننا، المبادئ التي تحدثنا عنها، أننا ملتزمون بها وضحينا من أجلها. لم نكذب على أنفسنا، ولم نقل إننا ندافع عن لبنان بالكلام، بل لم نقل إننا ندافع عن لبنان حينما نصالح العدو الإسرائيلي ونرفع العداء بيننا وبين العدو الإسرائيلي، وهو يحتل أرضنا ويقتل أبناءنا ويجرف قبور آبائنا. لم نجبن وسنبقى على هذا الطريق، ليس عنادًا، وإنما محبة للبنان وكرامة للبنان، ولكي يبقى لبنان عزيزًا، فالدفاع عن لبنان لا يكون بالاستسلام.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.