لبنان: اقتصاد ينتظر " المعجزات " بدل الإصلاح
بقلم: نبيل بو نصر الدين
أستاذ جامعي
في الدول التي نجحت في بناء اقتصادات قوية ومؤسسات مستقرة، لا تقوم الديمقراطية على إجراء الانتخابات فحسب، بل على مبدأ أساسي هو المحاسبة. فالناخب يمنح ثقته على أساس برامج واضحة، ويستطيع سحبها إذا أخفق المسؤولون في تنفيذ وعودهم، فيما تخضع الحكومات في الأنظمة البرلمانية لرقابة مستمرة قد تصل إلى سحب الثقة منها عند التقصير أو الفشل.
أما في لبنان، الذي يصف نفسه بأنه نظام ديمقراطي برلماني، فقد تحولت المحاسبة إلى استثناء نادر. فلم تشهد الحكومات المتعاقبة مساءلة فعلية عن أدائها، كما أن معظم القوى السياسية ما زال يعاد انتخابها دورياً، بالرغم من الإخفاقات السياسية والاقتصادية والمالية التي راكمتها على مدى سنوات طويلة.
ولم يقتصر الأمر على غياب المحاسبة وتعطيل الإصلاحات، بل امتد إلى انعدام الثقة بين الدولة والمواطن. فلا إصلاحات بنيوية، ولا خطة اقتصادية واضحة، ولا مساءلة جدية. ويصعب تفسير ما يجري بأنه مجرد سوء حظ أو "لعنة وطن" أو نتيجة ظروف خارجية فقط، بل يبدو انعكاساً لمنظومة سياسية وإدارية فقدت القدرة على التخطيط واتخاذ القرار. فكثير من السياسات والقرارات تُعتمد بصورة ارتجالية، ومن دون دراسات كافية، ثم يُعوَّل على متغيرات خارجية أو ظروف استثنائية لمعالجة نتائجها، وكأن الحظ أصبح بديلاً عن التخطيط والإدارة الرشيدة. وهكذا تحوّل غياب التخطيط إلى نمط دائم في إدارة الشأن العام. ومع مرور الوقت، أصبحنا ننتظر ما يشبه "المعجزات" التي تؤجّل الانهيار أو تفرض الحلول، كبديل غير معلن عن الإصلاح والتخطيط ووضع السياسات المبنية على أسس علمية.
وفي الوقت الذي يحتاج فيه اللبنانيون إلى رؤية اقتصادية تعيد إليهم الأمل والثقة، ما زال الخطاب الرسمي يقتصر على التحذير من تراجع النمو وضعف الإيرادات وصعوبة الإصلاح، فيما تبقى ملفات أساسية، كمعالجة الفجوة المالية وإصلاح القطاع العام ومكافحة الفساد وتحديث نظام التقاعد، تدور في حلقة من التأجيل والتسويف.
ولا يقتصر أثر غياب المحاسبة والتخطيط على الحياة السياسية والإدارية، بل ينعكس بصورة مباشرة على بنية الاقتصاد الوطني ومؤشراته الأساسية. فالسياسات الاقتصادية التي تُدار بمنطق ردّ الفعل لا بمنطق التخطيط الاستراتيجي، تفضي حتماً إلى اختلالات مزمنة في الإنتاج والاستثمار والتجارة الخارجية، وهو ما يظهر بوضوح في واقع الميزان التجاري والحساب الجاري في لبنان، أحد أخطر التحديات البنيوية التي تواجه الاقتصاد الوطني. فلبنان لا يعاني فقط من أزمة مالية أو نقدية عابرة، بل من نموذج اقتصادي قائم منذ عقود على الاستهلاك والاستيراد أكثر مما هو قائم على الإنتاج والاستثمار. وفي ما يلي نعرض بعض الأرقام التي تكشف بوضوح حجم هذا الخلل البنيوي:
ففي عام ٢٠٢٥ بلغت قيمة الواردات نحو ٢١.٠٧٦ مليار دولار مقابل صادرات بلغت قيمتها ٣.٦٤ مليارات دولار، ما أدى إلى عجز كبير في الحساب الجاري يناهز ٥٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بمعظم دول العالم. ويدل على الاختلالات البنيوية العميقة في الاقتصاد اللبناني.
ولا تكمن خطورة هذا الواقع في الأرقام وحدها، بل في انعكاساته على الاستقرار النقدي والاقتصادي. فكل زيادة في الاستيراد تعني طلباً إضافياً على العملات الأجنبية، بينما تعتمد البلاد بصورة رئيسية على تحويلات المغتربين وإيرادات السياحة والخدمات -الهشة أصلاً بسبب اللاستقرار السياسي والعسكري- لتأمين تدفق هذه العملات.
وقد سمحت تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج، التي تبلغ نحو ٧ مليارات دولار سنوياً، باستمرار الاقتصاد رغم الاختلالات العميقة، إلا أن الاعتماد على هذه التدفقات لا يمكن أن يشكل استراتيجية اقتصادية مستدامة.
ويؤكد ذلك أيضاً واقع الاستهلاك والاستثمار. ففي عام ٢٠٢٥ بلغ الإنفاق الاستهلاكي للأسر اللبنانية نحو ١١٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي، أما الإنفاق العام فقد بلغ حوالي ١٠٪ من الناتج الإجمالي أي أن اللبنانيين يستهلكون وينفقون ما يفوق ما ينتجه اقتصادهم بحوالي ٢٠٪، والفجوة يسدّها الاستيراد من الخارج.
فيما تراجعت نسبة الاستثمار المنتج وأيضاً بحسب تقرير البنك الدولي، إلى حوالى ٥٪ فقط بعد أن كانت تقارب ١٣.٦٪ في العام ٢٠١٩. مع الإشارة إلى أن الاستثمار هو استثمار خاص أما الاستثمار العام فهو محدود جداً نتيجة للأوضاع المالية السيئة التي يعيشها لبنان ولسياسة الحكومة التقشفية.
وهذا يعني أن الاقتصاد يستهلك أكثر مما ينتج، ويستثمر أقل مما يحتاج، ويزداد اعتماداً على الخارج عاماً بعد عام. إن انخفاض الاستثمار يحدّ من نمو الإنتاج المحلي وقدرته على تلبية الاستهلاك، ويؤدي إلى زيادة الاستيراد واستمرار العجز التجاري، بما يفرض ضغوطاً إضافية على الاستقرار الاقتصادي والنقدي ناهيك عن تراجع فرص العمل وصعوبة تحقيق التنمية المستدامة.
كما إن استمرار هذا الخلل يضع الليرة اللبنانية تحت ضغوط دائمة، ويجعل أي تراجع في تدفقات العملات الأجنبية أو أي صدمة خارجية سبباً محتملاً لارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين، ولا سيما أصحاب الدخل المحدود والمتوسط.
ورغم وضوح هذه المؤشرات، لم تضع الحكومات حتى اليوم برنامجاً وطنياً متكاملاً لمعالجة الاختلال في الميزان التجاري من خلال تشجيع الإنتاج المحلي بصورة منهجية.
ألم يكن ممكناً خلال السنوات الماضية وضع خطة تدريجية لإحلال جزء من المنتجات الوطنية محل السلع المستوردة؟ ألم يكن بالإمكان دعم الصناعات الغذائية والدوائية والنسيجية والزراعية والثقافية والتكنولوجية التي يمتلك لبنان فيها خبرات متراكمة وقدرات تصديرية واعدة؟ خاصة أن الأرقام تشير إلى إمكانية تخفيض فاتورة الاستيراد ببضعة مليارات من الدولارات نتيجة لإحلال السلع المحلية الصنع مكان السلع المستوردة.
فالهدف الأساسي يجب أن يكون بناء اقتصاد أكثر توازناً وقدرة على المنافسة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال سياسات جمركية وضريبية مدروسة تحمي بعض الصناعات الناشئة، بالتوازي مع تحسين الإنتاجية ورفع الجودة وتشجيع الابتكار ومنع الاحتكارات، حتى تصبح المنتجات اللبنانية قادرة على المنافسة في الداخل والخارج.
كما أن الاقتصاد الحديث لا يقوم على الصناعة والزراعة فقط، بل يحتاج أيضاً إلى الاستثمار في التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والصناعات الإبداعية والخدمات ذات القيمة المضافة، وهي قطاعات يملك لبنان فيها رأس مال بشرياً متميزاً يمكن أن يشكل محركاً للنمو والصادرات إذا توافرت البيئة التشريعية والإدارية المناسبة.
والأهم أن جزءاً كبيراً من هذه الإصلاحات لا يحتاج إلى إنفاق مالي ضخم، بل إلى إدارة كفوءة وقرار سياسي واضح ونية بالإصلاح. ولا تزال الفرصة قائمة لاعتماد مجموعة من السياسات العملية من أبرزها:
١- دعم الصناعات الغذائية والدوائية والتكنولوجية القادرة على التصدير بالتشريعات والقوانين المناسبة التي تحتاجها.
٢- فتح أسواق جديدة أمام المنتجات اللبنانية.
٣- اعتماد سياسات ضريبية وجمركية تحفز الإنتاج والاستثمار.
٤- تشجيع القطاعات التي تخفض فاتورة الاستيراد بصورة تدريجية.
٥- تطوير الإدارة العامة على أساس الكفاءة والشفافية وتكافؤ الفرص.
إن جوهر الأزمة اللبنانية لا يكمن في نقص الموارد بقدر ما يكمن في غياب الرؤية الاقتصادية والمساءلة السياسية. فالدول تبنى بالتخطيط والاستثمار في الإنسان والإنتاج والمؤسسات وليس بانتظار الظروف الملائمة، أو المتغيرات الخارجية.
وما يحتاجه لبنان اليوم ليس مجرد إدارة للأزمة، بل مشروع اقتصادي وطني يعيد التوازن بين الاستهلاك والإنتاج، وبين الاستيراد والتصدير، وبين الاقتصاد الريعي والاقتصاد المنتج.
فمن دون معالجة الاختلال المزمن في الميزان التجاري والحساب الجاري، ومن دون إعادة الاعتبار للاستثمار والإنتاج المحلي والاقتصاد المعرفي، ستبقى الليرة عرضة للضغوط، وستظل القدرة الشرائية للمواطن رهينة الأزمات المتكررة.
إن غياب السياسات الاقتصادية المبنية على الدراسات والبيانات، وغياب المحاسبة عن الأداء العام، كلها عوامل ساهمت في تعميق الأزمة وترسيخها. ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتوفير الأموال، بل بإرادة سياسية جادة ورؤية اقتصادية واضحة تضع الإنتاج والكفاءة والمؤسسات في صلب مشروع النهوض الوطني.
فالمعجزات لا تأتي لوحدها، بل هي بحاجة إلى تخطيط دقيق ومستدام.