من منشور حسن عليق إلى مذكرة الإحضار: مَن يرسم حدود الكلمة في لبنان؟

قضية تعيد فتح النقاش حول حرية الصحافة، وانتقائية الملاحقات، وحدود النفوذ السياسي الخارجي


د. آسيا الحسيني
إعلامية وباحثة في علوم الإعلام والاتصال


لم تعد القضية التي أثارها منشور الصحافي حسن عليق على وسائل التواصل الاجتماعي محصورة بكلمات قيلت عن اليمن وولي العهد السعودي محمد بن سلمان. فإصدار مذكرة إحضار بحقه نقل النقاش سريعًا من مضمون المنشور إلى سؤال أوسع: هل ما زالت حرية التعبير في لبنان قاعدة تحميها القوانين، أم أنها باتت تخضع لحسابات السياسة وموازين النفوذ؟

بدأت الوقائع عندما أعلن عليق تضامنه مع اليمن، الذي يرزح تحت حصار بحري وجوي منذ عام 2015، ووجّه انتقادًا حادًا إلى محمد بن سلمان. وعلى خلفية هذا الكلام، أصدر النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج أمرًا إلى شعبة المعلومات بتوقيفه بموجب مذكرة إحضار. وهكذا تحولت قضية منشور إلكتروني إلى اختبار فعلي لمدى قدرة الصحافي اللبناني على انتقاد مسؤول عربي من دون أن يجد نفسه أمام الأجهزة الأمنية والقضاء.

القضية أكبر من منشور

تكمن خطورة ما جرى في أن الإجراء القضائي لا يُقرأ بمعزل عن المناخ السياسي والإعلامي في البلاد. فلبنان الذي بنى جزءًا من صورته العربية على التعددية وحرية الصحافة يبدو اليوم أمام محاولة لإعادة تحديد سقف الكلام المسموح به: انتقادات تمرّ من دون مساءلة، وأخرى تتحول بسرعة إلى ملف أمني وقضائي.

ولا يتصل الأمر بالدفاع عن صياغة منشور بعينه أو تبنّي كل ما ورد فيه، بل بحق الصحافي في التعبير عن موقف سياسي، وبضرورة إخضاع أي تقييد لهذا الحق لمعايير قانونية واضحة وثابتة. فحين تتبدل المعايير تبعًا لهوية الدولة أو المسؤول المنتقَد، تصبح المشكلة في انتقائية تطبيق القانون، لا في حدود الحرية وحدها.

ماذا يقول القانون اللبناني؟

يضع قانون المطبوعات اللبناني الحرية في أصل العمل الصحافي. فالمادة الأولى من القانون الصادر في 14 أيلول/سبتمبر 1962 تنص على أن:

> «المطبعة والصحافة والمكتبة ودار النشر والتوزيع حرة، ولا يمكن أن تقيَّد هذه الحرية إلا في نطاق القوانين العامة وأحكام هذا القانون».

المعنى القانوني والسياسي لهذا النص واضح: الحرية هي القاعدة، أما التقييد فهو استثناء يجب أن يستند إلى نص صريح، وأن يُطبّق وفق معيار واحد على الجميع. ولا يجوز أن تتحول سلطة القضاء إلى أداة لحماية شخصيات أو دول من النقد، لأن ذلك ينقل الملاحقة من وظيفتها القانونية إلى وظيفة سياسية ردعية.

تعددية في الشكل… وحدود غير معلنة في المضمون

يبدو المشهد الإعلامي اللبناني متنوعًا بسبب كثرة القنوات والصحف والمنصات، لكن هذا التنوع العددي لا يعني بالضرورة تعددية حقيقية في المضامين. ففي قضايا كثيرة، تتقاطع المؤسسات الإعلامية عند أولويات واحدة، وتمنح بعض الملفات حضورًا واسعًا، فيما تختفي ملفات أخرى على الرغم من أهميتها أو صلتها بأمن البلاد.

وتزداد الضغوط على الوسائل والصحافيين الذين يرفضون الهيمنة الإسرائيلية والوصاية الأميركية–السعودية، أو يدافعون عن خيار المقاومة، أو ينتقدون السياسات التي تدفع لبنان إلى الاصطفاف داخل محور إقليمي محدد. ومن هنا، تبدو ملاحقة عليق جزءًا من معركة أوسع على هوية الخطاب العام: أي أصوات تبقى مسموعة، وأي أصوات يُراد دفعها إلى الصمت؟

إعادة تعريف العدو في الخطاب اللبناني

منذ وصول السلطة الحالية إلى الحكم في كانون الثاني/يناير 2025، برز مسار سياسي وإعلامي يسعى إلى نقل مركز العداء تدريجيًا من إسرائيل إلى إيران. وفي هذا السياق، يصبح انتقاد الولايات المتحدة أو السعودية أو السياسات الإسرائيلية أكثر حساسية، فيما يبقى الهجوم على إيران والمقاومة متاحًا ومقبولًا في جزء واسع من الخطاب العام.

ولا يمكن فرض هذا التحول من دون تضييق المساحة المتاحة للأصوات المعترضة. فإعادة تشكيل وعي المجتمع تجاه الصديق والخصم لا تتم عبر الخطاب السياسي وحده، بل أيضًا عبر تحديد ما يمكن قوله، ومن يحق له الكلام، وما الثمن الذي قد يدفعه من يخرج على الرواية المراد تعميمها.

 هل يحتاج مسار التطبيع إلى إسكات المعارضين؟

تُظهر تجارب التطبيع العربية مع إسرائيل أن معظمها جرى داخل أنظمة لا تمنح الرأي العام قدرة فعلية على إسقاط الخيارات الكبرى أو تغييرها. من مصر في عهدي أنور السادات وحسني مبارك إلى الأردن، ثم اتفاقات أبراهام التي وقعتها الإمارات والبحرين والمغرب، بقي القرار محكومًا بإرادة السلطة أكثر مما كان نتيجة نقاش ديمقراطي حر.

في لبنان، حيث ما زالت التعددية السياسية والإعلامية قائمة على الرغم من عيوبها، يصعب نقل البلاد إلى المعسكر الإسرائيلي من دون مواجهة اعتراض اجتماعي وسياسي وإعلامي واسع. لذلك، قد يكون التضييق على الصحافيين المعارضين تمهيدًا ضروريًا لأي محاولة لتغيير موقع لبنان وخياراته الإقليمية.

ضغوط سعودية خلف المشهد

أضافت المعلومات التي نشرتها صحيفة «الأخبار» بعدًا خارجيًا إلى القضية. وبحسب الصحيفة، تواصل الموفد السعودييزيد بن فرحان والسفير السعودي في لبنان فهد الدوسري مع وزراء وقضاة، مطالبين بالتدخل بعد الكلام الذي نشره عليق. كما ذكرت أن رئيس الجمهورية كان يرغب في تنفيذ الإجراء قبل عودته من واشنطن، بما يسمح له بالنأي بنفسه عن المسؤولية.

إذا صحت هذه المعطيات، فإن القضية لا تعود مجرد قرار قضائي داخلي، بل تصبح مؤشرًا إلى قدرة دولة أجنبية على التأثير في عمل مؤسسات لبنانية من أجل ملاحقة صحافي انتقد قيادتها. وهنا يصبح الخطر مضاعفًا: مساس بحرية التعبير من جهة، وانتقاص من استقلال القضاء والسيادة اللبنانية من جهة أخرى.

سجل لا يطمئن المدافعين عن الحريات

لا يمكن فصل هذه الضغوط المزعومة عن سجل السلطات السعودية في التعامل مع الأصوات المنتقدة. فقد قُتل الصحافي جمال خاشقجي وقُطّع جثمانه داخل القنصلية السعودية في إسطنبول في تشرين الأول/أكتوبر 2018، في واحدة من أكثر الجرائم التي هزّت الرأي العام العالمي.

كما صدرت أحكام قاسية بحق مواطنين بسبب نشاطهم على وسائل التواصل الاجتماعي. ومن أبرز الأمثلة طالبة الدكتوراه سلمى الشهاب، التي حُكم عليها بالسجن أربعة وثلاثين عامًا، ثم خُفّض الحكم إلى سبعة وعشرين عامًا، قبل الإفراج عنها بعد أربع سنوات من الاحتجاز بسبب نشر وإعادة نشر مواقف مؤيدة لحقوق المرأة، والتضامن مع ناشطات سعوديات مثل لجين الهذلول، والدعوة إلى إصلاحات والإفراج عن معتقلين.

ولبنان نفسه اختبر سابقًا أثر الضغط السعودي على قراره السياسي. ففي عام 2021، اضطر الوزير السابق جورج قرداحي إلى الاستقالة بعد أزمة اندلعت بسبب موقف سابق دعا فيه إلى وقف الحرب في اليمن ووصفها بالعبثية. واليوم، تعيد قضية عليق طرح السؤال ذاته: إلى أي مدى باتت مؤسسات الدولة مستعدة لتكييف قراراتها مع حساسيات الرياض؟

عدالة انتقائية تهدد السلم الأهلي

يزداد المشهد تناقضًا حين نقارنه بخطابات تحريضية تُبث يوميًا عبر منابر لبنانية، وتستهدف مكوّنات داخلية كاملة أو تبرّر العدوان الإسرائيلي على لبنان. وعلى الرغم من أثر هذه الخطابات في السلم الأهلي والعيش المشترك، نادرًا ما تتحرك الأجهزة القضائية بالحزم والسرعة نفسيهما.

تنص المادة 317 من قانون العقوبات اللبناني على معاقبة:

> «كل عمل وكل كتابة وكل خطاب يُقصد منها أو ينتج عنها إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية أو الحضّ على النزاع بين الطوائف ومختلف عناصر الأمة».

غير أن بقاء هذا النص شبه معطّل أمام التحريض الداخلي، مقابل استخدام أدوات الملاحقة سريعًا عند انتقاد مسؤول سعودي، يكشف خللًا واضحًا في سلّم الأولويات.

المشكلة، إذًا، ليست في غياب القوانين، بل في طريقة اختيار الوقائع التي تُطبَّق عليها، وفي التفاوت بين حماية السلم الأهلي وحماية مصالح سياسية خارجية.


لبنان أمام اختبار الدولة البوليسية

يمر لبنان بمرحلة شديدة الخطورة، فيما يستمر العدوان الإسرائيلي في إيقاع القتلى والجرحى وتهديد السيادة الوطنية. ومع ذلك، يبدو أن جزءًا من الجهاز القضائي منشغل بملاحقة صحافي عبّر عن تضامنه مع شعب يتعرض للحصار والعدوان.

لطالما شكّل لبنان، على الرغم من أزماته، مساحة يلجأ إليها الصحافيون والمثقفون العرب هربًا من القمع في بلدانهم. وإذا أصبح انتقاد سلطة عربية سببًا كافيًا لاستدعاء الأجهزة الأمنية، فلن يخسر البلد سمعته الإعلامية فحسب، بل سيخسر واحدًا من آخر عناصر تميّزه في المنطقة.

لا تتعلق قضية حسن عليق بشخص واحد، ولا بمنشور واحد. إنها تتعلق بالحد الفاصل بين دولة يحكمها القانون ودولة تُستخدم فيها المؤسسات لترهيب المعارضين. والسؤال الذي تتركه مفتوحًا هو: هل يدافع لبنان عن حرية الكلمة، أم يخطو فعلًا نحو نموذج الدولة البوليسية؟

منشورات ذات صلة