الطلقة الاخيرة: بين سيادة الطائف و بناء الضفة "الشرقية" في لبنان !

بقلم علي نقر 
18/05/2026

يجري خطّ العقد الاجتماعي والقادم السياسي للبنان على وقع الارتطام الكبير؛ فالصيغة الحالية استهلكت كامل صلاحيتها، والواقع يضع الجميع أمام خيارات وجودية حتمية تحددها نتائج هذه الحرب الشرسة المفروضة من أمريكا وإسرائيل. جاءت وثيقة الطائف لتؤسس لنظام يعلن نهائية الوطن ووحدة أرضه وشعبه ومؤسساته، غير أن الأزمة الحقيقية تكمن في سلوك البعض الذي تعمد تجميد شقّه الإصلاحي. هذا التعطيل يضعنا اليوم أمام صدمة الخيار الصِفري المتمثل في مسارين؛ مسار تقوده المقاومة التي يجب عليها أن تنتصر كشرط وجودي للحفاظ على هذا البلد، ومسار أطلسي إسرائيلي يستهدف تصفية الكيان وتحويل لبنان إلى ضفة شرقية أسوة بالضفة الغربية عبر فرض اتفاق أمني مذل واستعمار جديد يسحق السيادة الوطنية.
يكشف الواقع الحالي عن مأزق بنيوي تحول فيه البلد إلى كيان ملحق تدار مفاصله بالإملاءات؛ وإن كياناً يُعيّن فيه رأس هرمه القضائي والتمييزي بإملاءات إقليمية عابرة للحدود كالإرادة السعودية، هو كيان يسلم مفاتيح سيادته طوعاً ويفرغ شعارات الاستقلال من مضمونها الفعلي. يتطابق هذا المشهد مع السيناريو الأمريكي الممكن الذي قد تعتمده واشنطن في حال فوزها، حيث يبقي مؤسسات الدولة هشة و  خاضعة للتبعية المطلقة، وتفترض أوراقها استعدادها للتنازل عن الشكليات الطائفية لفرض رئيس شيعي الهوية يؤدي دور بهلوي جديد؛ فالأصل في الفكر الاستعماري يكمن في الطاعة وترديد عبارة واحدة: "أمرك مولاي"، إذ لا يتعلق الأمر بطائفة أي رئاسة في لبنان. وفي مقابل هذا التدجين، يبرز السيناريو الأسوأ في حال فوز المحور الصهيوني، حيث ينتهي مفهوم الدولة تماماً ويتحول الوطن إلى مقاطعة مستعمرة ومستباحة أمنياً وعسكرياً على شاكلة مناطق الحكم الإداري الهش المرتهن كلياً للاحتلال، لتصبح طغمة الضفة الشرقية قائمة على نماذج بهلوية، وفرحانية، وجعجعية، تتجلى في محاولات سمير جعجع المحمومة ليكون وريث جوزيف عون في سلطة هذه الضفة التابعة.
ويتجلى هذا الهوان في أداء السلطة السياسية الراهنة التي أمرت الجيش اللبناني بالانسحاب من النقاط الحدودية عند بدء الغزو الإسرائيلي للقرى الجنوبية؛ وهي الاستقالة السياسية التي أضعفت هيبة المؤسسة العسكرية وشرعت الأبواب أمام استباحة الكرامة الوطنية، على نحو ما كشفته التقارير الميدانية عن إقدام قوة من جيش العدو على نزع سلاح عناصر الجيش بطريقة مهينة عند حاجز بلدة الماري في محاولة لإزالته، قبل أن تتدخل قوة عسكرية لتعزيز الموقع وتدارك الموقف. إن امتناع السلطة عن تعزيز قوة الجيش وحظرها ممارسة دوره الدفاعي يمثل طعنة لتضحيات عناصره، ويكرس واقع الانتداب المقنع، بينما ينتج النصر الواجب للمقاومة واقعاً سيادياً مغايراً يضع أزلام الداخل أمام لحظة الحقيقة؛ حيث ستزدحم مدرجات المطار بطلب الهرب فور إقلاع الطائرات الأمريكية ومغادرتها، تاركة وراءها من انتهت صلاحيته الوظيفية في مشهد يعيد إنتاج النموذج الأفغاني الشهير. ويفرض هذا, حقيقة مفادها أن من ينادي ببناء الدول يجب عليه أولاً تحرير الأرض والمؤسسات ثانياً؛ إذ يقتضي التأسيس الفعلي تطهير مؤسسات الحكم، والقضاء، والاقتصاد من شبكات الارتهان العابر للحدود، وينفي وجود عملاء الداخل من معادلة الوطن، لتتحقق أسس الدولة المقتدرة عبر تطبيق اتفاق الطائف كاملاً كإطار وفاقي جامع يرفض الإقصاء والعزل؛ فالأخلاق السياسية والدينية للمقاومة تمنع إلغاء أي مكون من مكونات العائلة اللبنانية الروحية، وتحول فائض القوة الميدانية إلى ضمانة دستورية لولادة الدولة العادلة.
يُعد تحويل الكيان إلى دولة فعلية في زمن النصر، الواجب تحقيقه، والتمسك بالطائف أمراً واجباً يتوزع على مسارين متلازمين. يتجسد المسار الأول خارجياً بإعادة رسم قواعد الصديق والعدو بدقة، وحسم هوية الشريك الداعم لسيادة الوطن واستقلاله، وفرزها كلياً عن هوية العدو الصهيوني الامريكي المتربص بالوطن. ويتجلى المسار الثاني داخلياً في ورشة إعادة بناء الدولة الحقيقية التي ينادي بقشورها أتباع السيادة اللفظية، ويجب على المقاومة اليوم تثبيت جوهرها الفعلي عبر فرض قضاء مستقل يكسر تعسف القوي ويحمي الضعيف بالقانون العادل، وينفذ حتماً البند الدستوري الجوهري بإلغاء الطائفية السياسية لمنع تحول الهويات إلى أدوات إقصاء. هذا المسار السيادي يتطلب صون حريات التعبير والنقد الدستوري، في مواجهة صريحة مع نموذج المدعي العام المعين سعودياً الذي أمعن في تعميق الشرخ وبث الفتنة. ويترافق هذا البناء الدستوري والفرز الخارجي مع صياغة قاعدة اقتصادية إنتاجية تنهي ارتهان لقمة العيش للضغط الخارجي عبر الإنماء المتوازن، واعتماد الشفافية وحق الوصول للمعلومة كسر لمنظومة الفساد التي تربط عملاء الداخل بالخارج.
يبقى التساؤل المفتوح المعلق برسم المستقبل والوعي الجمعي: هل يملك اللبنانيون شجاعة انتزاع المبادرة وإطلاق طلقة الوعي الأخيرة لتثبيت سيادة الطائف، أم سيسقطون في فخ التردد لتُكتب فوق أنقاض كرامتهم ولادة الضفة "الشرقية"؟

منشورات ذات صلة