من يموّل حملات الطعن بالوطن والترويج للتطبيع مع العدو؟
في ظل العدوان الإسرائيلي الواسع الذي يتعرض له لبنان، استفاق اللبنانيون في 17 آذار 2026 على لافتات إعلانية مدفوعة رُفعت في بعض شوارع بيروت، تحمل شعارَي "لبنان لا يريد الحرب"، و"فِدا مين؟".
هذه الحملة ترافقت مع منشورات لبعض صحافيي وناشطي الوصاية على "إكس"، تدعو إلى إلغاء قانون تجريم التطبيع مع العدو الإسرائيلي في لبنان، بدأها الإعلامي طوني بولس. فمن هو الممول لهاتين الحملتين الداعمتين للكيان الإسرائيلي في ظل الحرب المستمرة؟
بحسب معلومات أجهزة أمنية لبنانية رسمية، فإن هاتين الحملتين مموّلتان بشكل مباشر من أحمد ماهر شعبان المعروف بدانيال الغوش، والشهير بـ"جيري ماهر"، والذي تصنفه الأجهزة الأمنية ضمن الذين تربطهم علاقة مباشرة مع "إسرائيل". ويقوم شعبان بإرسال حوالات مالية، تجاوزت قيمة إحداها قبل مدة المئة ألف دولار، جرى استخدامهما لشراء ذمم صحافيين ومؤثرين ووسائل إعلامية.
هذا النوع من الحملات يعيد تسليط الضوء على سوق الإعلانات السياسية، الممول من جهات خارجية، ومعادية أيضًا! كيف ذلك؟
- بحسب المعلومات، عددٌ كبيرٌ ممن يسمّون إعلاميين وناشطين، تُعرَض عليهم مبالغ مالية، تصل إلى 500 دولار لكتابة منشور واحد. أما المضمون، فيجب أن يتمحور حول ما ذكر سابقًا، من إعلان رفض دخول لبنان في الحرب مع العدو الإسرائيلي، والمطالبة بالسلام معه.
- خلال حرب عام 2024، رصدت الأجهزة الأمنية اللبنانية بيع مقالات من إسرائيليين إلى وسائل إعلام لبنانية بالواسطة. وفي التفاصيل، أن إسرائيليين، ينتحلون صفة مجموعة تعمل من أجل السلام في بريطانيا، وهذه المجموعة تكتب مقالات، وتتواصل مع إعلاميين وشركات في لبنان، لنشر هذه المقالات في وسائل الاعلام اللبنانية مقابل مبالغ مالية.
- كيف يتم الدفع؟ ينال الوسيط ألف دولار على المقال الواحد، وأما الجريدة أو الموقع الذي ينشر فيتلقى ألفي دولار على المقال.
- مثال 1: أحد المقالات التي رصدت الأجهزة الأمنية أنها أُرسِلَت عبر المجموعة البريطانية من قبل الإسرائيليين إلى جريدة لبنانية تنتحل صفة "السيادية"، نُشر فعلًا باسم أحد الكتّاب المعروفين في هذه الجريدة.
- مثال 2: رصدت الأجهزة الأمنية نشر مقال - على الأقل - مدفوع من الإسرائيليين، أُرسِل من المجموعة البريطانية، في أحد المواقع الإلكترونية التي تنتحل الهوية الجنوبية.
وبعد النشر، تعمد برامج حوارية ومواقع إخبارية إسرائيلية إلى الإضاءة على ما يُنشر في لبنان، للزعم بأنّ المزاج العام اللبناني معادي لحزب الله. وبعد ذلك، تستشهد وسائل إعلامية لبنانية بما نُشر في الإعلام الإسرائيلي. لكن في الحقيقة، تكون العملية برمتها حملة افتراضية على وسائل التواصل الاجتماعي ممولة من قبَل العدو.
اللافت أنه لم يتم تحريك أي تحقيق قضائي في هذا الموضوع، رغم أن الأجهزة الأمنية تمتلك التفاصيل الدقيقة والموثقة لهذا الملف، ورغم أنه:
- تم توقيف عملاء في لبنان خلال حرب 2024، أقرّ أحدهم أن ما طلب منه هو كتابة منشورات ضد الحرب وحزب الله وأخرى مناهضة للحرب مع إسرائيل في سياق حملة لبنان لا يُريد الحرب آنذاك.
- قبل حرب 2024، أوقف عميل وحوكم أمام المحكمة العسكرية، كان كل ما طُلب منه هو نشر مقالات ضد المقاومة وتدعو للسلام ترفض الحرب ضد "إسرائيل".
هذه الوقائع تشير إلى أن ما يُحكى عن "مزاج الرأي العام اللبناني" لا يمكن أخذه بجدية طالما أنه يستند إلى ما يُنشر في وسائل التواصل الاجتماعي. فإضافة إلى الجيوش الإلكترونية الحزبية التي تهيمن على المشهد العام، ثبت لدى الأجهزة الأمنية الرسمية وجود قدرة لدى العدو الإسرائيلية على التلاعب بالسوق الإعلانية والإعلامية، لمصادرة آراء اللبنانيين.
والأجهزة الأمنية والقضائية مدعوة إلى فتح تحقيقات رسمية في هذا الملف الشديد الخطورة، لأن استمرار تجاهله لا يمكن تفسيره سوى بأنه تواطؤ مع العدو.