دفاعًا عن الحدود وعبورًا لها: المقاومة بين الوطنية والأممية
بقلم: جودي البابا
كاتبة وباحثة في العلوم السياسية
إن التحدي المطروح من قبل حزب الله، كتنظيم ثوري لبناني، لهياكل الهيمنة الغربية لا يقتصر على المواجهة الميدانية فحسب، بل يكمن أيضًا في نقده لمفاهيم غربية قد شكلت اتجاهات الفكر السياسي السائد في زمننا المعاصر، لا سيما كينونة "الدولة الحديثة" ذات "السيادة الوستفالية." فالنظام الدولي المعاصر بدأ بأخذ نسقه الحالي من معاهدات وستفاليا عام ١٦٤٨، التي أنهت حروب الثلاثين والثمانين سنة بين الممالك الأوروبية، معرفة إياها كوحدات سياسية مستقلة وسيادية ذات حدود مقدسة يمنع تخطيها والتدخل في شؤونها، وعلى إثرها، نشأ مفهوم الدولة القومية الحديثة الذي فرض على شعوب العالم عبر الاستعمار والعولمة لاحقا. فثورات الحداثة والثورة الصناعية منحت الدول الأوروبية قوة مادية واقتصادية وعسكرية تفوقت بأضعاف على القوى التقليدية، مما سرى بنفوذها، حسب الباحث السياسي أميتاف أشارايا، إلى "مجتمعات دولية" إقليمية فرعية، كالنموذج القائم على التجارة بين كيانات المحيط الهندي، وآخر قائم على الجزية الصينية والهرمية التراتبية في شرق آسيا، مشكلا بذلك نظاما دوليا أحاديا وستفاليا، قُسمت به الشعوب في قوالب واهية. لذا تعد الجمهورية اللبنانية من أبرز الأمثلة لهذه السردية، بعد أن رسم مستعمرو العالم الحديث حدودها في اتفاقية سايكس-بيكو (١٩١٦) وشرعتها انتدابات عصبة الأمم على بلاد الشام. إلا أن فصل الشعوب في قوالب الدولة الحديثة لم يمحو ذاك الشعور بالانتماء إلى قضايا عابرة للحدود الوطنية، كالدين والأيديولوجية والقضايا الإنسانية، ومن هنا، يأتي تنظيم حزب الله كخارق لمفاهيم اعتُبرت من المسلمات في الفكر السياسي، إذ أثبتت تجربته إمكانيّة الجمع ما بين المصلحة الوطنية والمصلحة الجامعة لقضايا عابرة للحدود الوطنية، معًا في مسيرة سياسية واحدة، تعادي نماذج الحوكمة الغربية التي فُرضت على الشعوب عبر الاستعمار والعولمة.
استطاع حزب الله تخطي قيود "الدولة الحديثة" بتبينه لعقيدة دينية-سياسية تسمو على وتسبق المفاهيم السياسية التي أرساها الغرب في طروحاته الفكرية، أي تأصل نهجه الديني من جذور ترسخت منذ أكثر من ألف سنة، أُعيد احياءها بالثورة الإسلامية وبقادة اضطلعت بممارستها في أنظمة سياسية معاصرة. وعلى المستوى السياسي، تكرست مسيرته لمحاربة الاستكبار العالمي والدفاع عن المستضعفين، سواء في أرض لبنان أو فلسطين أو البوسنة، مصحوبة بخطاب أممي يعاين الصراع ضد الاستكبار الامبريالي كمواجهة تطال سائر الأمة وتعبر حدود أوطانها. ومع ذلك، تمكن حزب الله من تقليص الفجوة الفكرية والعملية بين القومية والأممية، إذ أعطى الأسبقية للمصلحة الوطنية التي تكمن في مقاومة التهديد الوجودي من الكيان الصهيوني التوسعي، وانخرط في النظام اللبناني كأحد مكونات الوطن الأساسية، وتمسك بخطاب وطني "دفاعا عن لبنان وشعبه" مراعيا التوافق المذهبي الذي يعتبر جوهر السياسة اللبنانية التوافقية.
يسمو هذا النموذج الذي يقدمه حزب الله كنهجٍ ثوري على محدودية الشبهات التي يطرحها مدّعي السيادة، كاتّهام المقاومة بالتخلف والانتحار، وهي شبهات تفتقر إلى قراءة تاريخية وفكرية لموروثات الاستعمار في بلادنا وأنظمة حكمنا، إذ تُعتبر المقاومة في مفهومهم امتدادًا لمشاريع إقليمية أولت المكاسب المادية على المصلحة الشعبية. فعلى العكس، إن قدرة المقاومة على موازنة المصالح الوطنية ومصلحة المنطقة الإقليمية ككل، والانضمام لائتلاف اقليمي يجمعه ثقافة استراتيجية وهدف واحد يرتكز على مقاومة الصهيونية، يلقيان الحجة على دولة عاجزة عن الإعراب عن سياسة خارجية تعارض أنماط الاستيعاب القسري للاملاءات الاجنبية.
فإنّ نهج حزب الله هو المسار الطبيعيّ والنتيجة الحتميّة للتهديد الغربي الجامع لكل مظاهر الإرادة الإسلامية والعربية السياسية الموحّدة، فبينما تصبّ كل مساعي الغرب الصهيوني في سحق هذه الإرادة وتحجيمها في قوالب قوميّة لا تخرج عن النموذج السياسي الغربي، تقدّم هذه الدول هدف الغرب المرجوّ على طبقٍ من ذهب عبر التقوقع والانعزال والتقسيم. ففي حين أنّ الصهيونية الغربية تنظر إلى المسلمين والعرب كأمّة واحدة يجب تفتيتها، يحافظون هم على وحدة مصالحهم وإرادتهم ووعيهم الجماعي العابر للحدود. بالتالي، يُنظر إلى أي ردة فعلٍ وحدويّةٍ طبيعيّة في منطقتنا على أنها عملٌ تخريبيّ "يجلبُ" العداء والاحتلال، متناسين أن حالة العداء سابقة لمساعي توحيد إرادة أصحاب الأرض. فجوهر المقاومة لا يتمحور حول الإعلام والميدان فحسب، بل حول ساحات الفكر السياسي أيضا، لأنها جذرية لصراع شمولي ضد هياكل الإستعمار الطاغوتية.