عامٌ على تكليف سلام: "شي عجيب كيف ماشي!"

حصلت حكومة نواف سلام على ثقة مجلس النّواب في 26 شباط 2025 بأغلبية 95 صوتا من أصل 128، تحت مسمّى "الإصلاح والإنقاذ". خلال قرابة العام من عمل الحكومة، يتبيّن أنّ سلام عمل جاهدًا على عدم تحقيق أيّ بند من بيانها الوزاريّ، بل سعى إلى العمل بنقيض العديد من بنوده:

- "نمثل أمامكم حكومة مُتضامنة": اتّخذت الحكومة في 5 و7 آب قرارين مصيريّين يمسّان بسيادة لبنان  ووجوده، في ظلّ شرخ وزاريّ وانسحاب مكوّن لبنانيّ يشكل غيابه مسًّا بالميثاقيّة. 

- " اعتماد سياسة خارجيّة تعمل على تحييد لبنان عن صراعات المحاور، ما يُسهِم في استعادته موقعه الدّولي ورصيده العربيّ، وتحشد دعم العواصم الشّقيقة والصّديقة والمنظّمات العربيّة والدّولية: أظهرت مواقف وزير الخارجيّة "القواتي" الشّرخ الحكوميّ وانفصام الموقف، بين ما يعلن في مجلس الوزراء، وبين السّياسة الخارجيّة الشّاذة الّتي يفرضها حزب "القوّات" من خلال وزيره في الحكومة، دون أيّ محاولة من سلام لاستعادة "التضامن الحكومة" حول السّياسة الخارجيّة. هادنت الخارجية العدو الإسرائيلي، وعملت فاشلة على إحداث عداء مع دول صديقة وداعمة للبنان. كما أثارت الحكومة، بخلاف المصلحة، النقمة التركية على لبنان على خلفية ملف التّرسيم البحري حين اصطفّت إلى الجانب القبرصي.

- "ستلتزم الحكومة بالإسراع في إعادة إعمار ما دمّره العدوان الإسرائيلي وإزالة الأضرار": أعدّت الحكومة مشروع الموازنة دون أي اعتمادات مخصّصة لإعادة الإعمار؛ وبعد تهديد من رئيس المجلس نبيه بري، أدرجت لجنة المال مبلغًا زهيدًا تحت عنوان الإعمار. كما أنّ الدولة تغيب بأجهزتها كافة عن دعم صمود الأهالي في جنوب لبنان.

- " تلتزم بالكامل مسؤوليّة أمن البلاد، والدّفاع عن حدودها وثغورها، دولة تردع المُعتدي": أرسلت الدولة أكثر من عشرة آلاف جندي لبناني إلى الجنوب دون أي رؤية لكيفية الدّفاع عنه، فتصاعدت الاعتداءات الإسرائيلية، واستمرّ القتل اليومي وتدمير المنازل والتوغّلات، وتحوّل بذلك جنوب لبنان إلى أكثر منطقة تضم وجودًا لأجهزة الدولة على أراضيها، مع مفارقة أنها أكثر منطقة تتعرض للاعتداءات والاحتلال والقتل دون ردّ على المعتدي، أو حماية للمواطنين.

- "نريد دولةً تملك قرار الحرب والسلم": ما زال قرار الحرب بيد العدو الإسرائيلي، ولم تستطع أن تؤمن السلم للمواطنين.

- "الدفاع عن لبنان يستدعي إقرار استراتيجيّة أمن وطني على المستويات العسكرية والدبلوماسيّة والاقتصاديّة": لم يتم إقرار هذه الاستراتيجية، فضلًا عن الشّروع بالبحث في عناوينها.

- "دولةً مُحايدة في التّنافس السّياسي المشروع بين القوى السياسيّة: أحالت الحكومة إلى مجلس النّواب مشروع قانون تعديل الانتخابات الصّادر سنة 2017، لجهة انتخاب المغتربين في الخارج. ولم يراعِ التّعديل عدالة التّمثيل بين المرشحين أو النّاخبين، حيث فرص التدخل في الخارج عالية، من بعض الدول والأجهزة الخارجيّة لحظر التّصويت، أو لفريق سياسيّ مقابل دعم فريق آخر، ما يؤثر على الإرادة الحرّة للناخبين، ويُفقد العمليّة الانتخابية نزاهتها. وبالتالي، يضرب مبدأ "المحايدة في التنافس السياسي". 

- "لا بدّ من الإسراع في إجراء التّعيينات والمناقلات والتشكيلات القضائية والحؤول دون منع أو تأخير عمل المُحقّقين، وخاصّةً في قضية انفجار مرفأ بيروت وقضايا الفساد المالي والمصرفي واستكمال التدقيق المحاسبي والجنائي": علّق نادي قضاة لبنان على ما رافق التّعيينات القضائية الأخيرة معتبرًا أنّها تمثل "مسًّا خطيرًا باستقلاليّة السّلطة القضائية" من خلال تدخّل سياسي مباشر في التشكيلات القضائية، الّتي تُعدّ من صلاحية مجلس القضاء الأعلى حصرًا، كما وصفها بأنها "تتناقض مع خطاب القسم".

- "تفعيل الهيئات الرقابية كافةً وتعزيز المساءلة والمحاسبة لمكافحة الهدر والفساد": مع بداية عام 2026 أثار تعيين الحكومة لـ"القواتية" غراسيا القزي مديرة عامة للجمارك صدمة لدى الرأي العام، خصوصا أنّها من بين الشخصيات التي تُوجَّه إليها أصابع الاتهام في ما يتعلق بملف انفجار مرفأ بيروت، ومدعى عليها في ملف فساد عام 2019.

- "متابعة قضيّة الأسرى اللبنانيين في السّجون الإسرائيلية": عمليًّا، لم تقم الحكومة سوى بمتابعة مستجدات قضية الأسرى إعلاميا، وهي لم تستطع بعد عام، إلزام "إسرائيل" القبول بتقديم كشف للصليب الأحمر الدولي عن الأسرى والتّأكد من أسمائهم.

- " ستحظى الودائع بالأولوية من حيث الاهتمام من خلال وضع خطة متكاملة، وفق أفضل المعايير الدولية، للحفاظ على حقوق المودعين:" أقرّت الحكومة مشروع قانون الفجوة المالية، الّذي يراعي مصالح أصحاب المصارف ويحمّل الدولة وبالتالي جيوب المواطنين، كلفة الانهيار.

- "زيادة مساحات الأراضي المزروعة وتشجيع الزّراعات المُستدامة..:" لم يسجل أيّ انجاز على هذا الصعيد.

- " إصلاح قطاع الاتصالات وتطويره والتّطبيق الكامل لقانون تنظيم قطاع خدمات الاتصالات": شبهات فساد أحاطت بقرار الحكومة، منح أفضلية لشركة "ستارلينك" في السّيطرة على سوق الاتصالات بشكل شبه مجاني. رخّص المجلس للشّركة في أيلول 2025، حيث تتولى شركة “كونكت” (Connect Lebanon)، التي يديرها أقرباء وزير الاتصالات شارل الحاج وتشكل جزءًا من مجموعة "مدى" الّتي أسسها، توزيع الخدمة وبيع معداتها، ما يضع الوزير في شبهة تضارب مصالح وانتهاك لقانون الشراء العام. كما تقرر منح "ستارلينك" امتياز استعمال التردّد الطّيفي، بمرسوم في مجلس الوزراء، بينما كان هذا الامتياز يتطلّب صدور قانون.

- " التّطبيق الصّارم للقوانين المتعلّقة بالأملاك البحرية والنهرية": انخفضت قيمة الإيرادات المتوقّعة من تسويات المخالفات البحرية بنسبة 60% في موازنة 2026، أي من 30 مليون دولار في عام 2025 إلى 12 مليون دولار في عام 2026.

- " دولةً تتحمّل مسؤوليتها في إصلاح قطاعي المياه والكهرباء، فتُخرج البلاد من الظّلمة وتزود المؤسسات بالطاقة، ما يقتضي المباشرة بزيادة ساعات التّغذية بالتيار الكهربائيّ تدريجيًّا، وبأدنى كلفة ممكنة": تواصلت أزمة لبنان المزمنة في الكهرباء مع الوزير "القواتي" الذي تراجع عن وعوده بزيادة ساعات التغطية، ولم يقدّم للحكومة أيّ خطة للنّهوض بالقطاع، بينما كانت لافتة مطالبته في آب 2025 بفتح تحقيق للتأكد من عدم وجود “عمل تخريبي” متعمد، مع ورود معلومات تفيد “بشكوك حول طبيعة بعض حوادث انقطاع الكهرباء”.

- " ترعى المُبدعين في الفنون والآداب وتنمّي الصناعات الثقافيّة" و "حكومتنا ملتزمة بصون الحرّيات العامّة ومنع المساس بها": في خطوة قمعيّة مناهضة للحرّيات والثقافة والفنون، ولأسباب كيدية، علّقت حكومة نواف سلام ترخيص جمعيّة رسالات للفنون، بعد فعالية فنيّة على صخرة الرّوشة. كذلك، ظهر رئيس الحكومة نواف سلام في غير تصريح مباشر، وهو يجيب بلغة قمعية على أسئلة الصِّحافيين بعيدًا عن رحابة صدر رجالات الدولة (في 9 أيلول 2025، وفي 26 كانون الأول 2025). 

- " تعزز التّعليم الرّسمي": يشهد إضراب روابط التّعليم الرّسمي على استمرار رداءة أوضاع هذا القطاع.

اقترب نص البيان الوزاري لحكومة سلام من 2342 كلمة، يمكن لكلّ من يراجعها اليوم، أن يدرك حجم النّفاق في إطلاق الوعود، واستغباء عقول اللّبنانيين في كثير من البنود، الّتي تندرج تحت خانة "الأحلام الورديّة" الفضفاضة جدًّا على "الحكومة النّائمة".

منشورات ذات صلة