القضاء يدّعي على محامٍ بجرائم النيل من الوحدة الوطنية

لم تعد حملات التحريض وخطاب الكراهية في لبنان حكرًا على ناشطين متفلّتين على وسائل التواصل الاجتماعي ذوي تأثير هامشي، بل باتت تصدر بشكل منظّم وممنهج عن شخصيات محسوبة على نخب تدّعي الثقافة والعلم والانتماء إلى "فضاء الدولة والمؤسسات"، وهي نخب يُفترض بها، بحكم موقعها الثقافي والمهني، أن تكون أكثر التزامًا بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية، لا أن تنحدر إلى هذا المستوى من الخطاب التحريضي.

ومن بين أبرز من يروّجون لهذا الخطاب العدائي على المنصّات الرقمية، من دون أي مساءلة تُذكر من النقابات أو الأطر المهنية التي ينتسبون إليها، يبرز اسم المحامي والناشط "القواتي" ميشال فلاح، المرشّح السابق للانتخابات النيابية عام 2022 عن المقعد الارثوذكسي في الدائرة الثانية في بيروت ضمن لائحة "بيروت تواجه" المدعومة من فؤاد السنيورة. وقد تميّز خطاب فلاح (الحاصل على إجازة في الحقوق وإجازة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، من جامعة الحكمة، وماجستير في التاريخ الحديث والمعاصر من الجامعة اللبنانية)، خلال السنوات الماضية، بنزعة واضحة إلى الشيطنة والتحريض ونزع الإنسانية، لا سيما بحق فئة واسعة من اللبنانيين، وبحق شهداء سقطوا دفاعًا عن لبنان.

ومن بين مواقف الرجل المتطرّفة في التحريض والكراهية:
- نعت عام 2023 شهداء طرف لبناني بـ"الفطايس" و"القاذورات".
- يكرر في خطابه المليء بعبارات الحقد، مصطلح "حزب الشيطان". 
- كتب في 24 كانون الاول 2025 على حسابه على اكس: ‏"لا عِلِم ولا فِهِم.. بيئة حقودة وجاهلة.. هيدي بيئة حزب الشيطان".
- في 20 كانون الأول 2025 كتب منشورًا على اكس شبّه فيه حزبًا لبنانيًا يحظى بتمثيل شعبي واسع، بالعدو الاسرائيلي محرّضًا ضده:
"كِلاهما يَنتهكان سيادة لبنان ويَقتلان شعبه ويَستبيحان حدوده للتقاتل (بالتفاهم فيما بعض أحيانًا كثيرة) من أجل حدود أوسع مرتبطة بمفاهيم دينية لكل منهما. عدو الداخل وعدو الخارج.. توأم الإرهاب".

خطوة قضائية عبر مؤسسات الدولة

في تطوّر يُسجَّل كخطوة متقدّمة في مسار مواجهة خطاب الكراهية والتحريض عبر القضاء ومؤسسات الدولة، تقدّم المحامي غسان المولى، بوكالته عن عائلة الشهيد قاسم إبراهيم أبو طعام، بشكوى قضائية ضد ميشال فلاح، على خلفية تغريداته المسيئة، ولا سيما توصيفه شهداء "طريق القدس" بألفاظ حاطّة من الكرامة الإنسانية.

وبعد استجواب فلاح من قبل النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان، تم الادعاء عليه بجرائم النيل من الوحدة الوطنية، وهتك حرمة القبور ولا سيما شعائر الموتى، إضافة إلى القدح والذم. وقد أُحيلت الشكوى إلى القاضي المنفرد الجزائي في جبل لبنان لمحاكمة المدعى عليه، علمًا أنّ المواد القانونية المدعى بها قد تصل عقوبتها إلى الحبس لمدّة ثلاث سنوات.

ما بعد الإدعاء: أسئلة في المسؤولية

تطرح هذه الخطوة القضائية أسئلة حول ما إذا كانت ستشكّل مسارًا رادعًا أمام تفشّي خطابات الكراهية التي تدفع اللبنانيين نحو مزيد من الانقسام والاقتتال والفتنة، في لحظة وطنية شديدة الحساسية، خصوصًا اذا ما اتخذ عوائل مزيد من الشهداء والمتضررين من هذا الخطاب خطوات مشابهة. 

وتفتح هذه الخطوة الباب أمام مساءلة جدّية لدور النقابات المهنية والهيئات الأكاديمية، التي ينتمي إليها أصحاب المهن الحرّة وأساتذة جامعيون وإعلاميون، يفترض أن يكونوا في موقع حماية السلم الأهلي لا تقويضه.

فما يصدر عن هؤلاء لا يقتصر على إثارة الكراهية الداخلية فحسب، بل يتقاطع عمليًا مع أهداف العدو الإسرائيلي، عبر التحريض على شريحة واسعة من اللبنانيين وتشويه صورة مكوّن لبناني أساسي يحظى بتمثيل شعبي واسع، وتشجيع العدوان بشكل مباشر أو غير مباشر عليه. وبالتالي، فإنّ صمت النقابات والمؤسسات التي ينتمي اليها المحرّضون ومطلقو خطاب الكراهية، لا يقل خطورة عن الخطاب نفسه، لأنه يمنحه شرعية ضمنية ويحوّله إلى أداة فتنة لا رادع لها.

منشورات ذات صلة