هل ترى الإعلانات السياسية الممولة على يوتيوب؟.. هكذا يتلاعبون بك
بقلم: د. محمد حسن سويدان*
في أدبيات التأثير الحديثة، لا تُفهم الحرب الإدراكية على أنّها صراع على المعلومات فقط، بل صراع على طريقة فهم الناس للواقع. هدفها الأساسي هو استباق الحدث، عبر تحديد الإطار الذي سيرى الناس الحدث من خلاله: ما الذي سينتبهون إليه؟ ما الذي سيتجاهلونه؟ أي تفسير سيبدو منطقيًا؟ وأي مشاعر سترافق هذا التفسير؟
بمعنى مبسّط، هي محاولة لصناعة "نظّارة جاهزة" يرى بها الجمهور الأحداث، فيصل إلى استنتاج محدّد تلقائيًا، من دون تفكير أو مراجعة أدلة.
تعمل هذه الحرب عادة عبر ثلاث مراحل مترابطة:
تحديد ما يلتقطه الجمهور أصلًا من بين كمّ هائل من الأحداث والمعلومات.
ترتيب هذا الالتقاط عبر إبراز عناصر معيّنة وإخفاء أخرى، بحيث تُروى القصة من زاوية واحدة تبدو الأكثر منطقية.
زرع تفسير جاهز من خلال تشغيل العاطفة (خوف، غضب، سخرية، طمأنينة…) ليصبح هذا التفسير هو الاستنتاج "الطبيعي" لدى المتلقّي.
ومع تطوّر هذا النوع من الحروب، لم يعد التأثير محصورًا في مضمون الرسالة، بل بات يشمل شروط تلقّيها، تكرارها، شحنها العاطفي، شكلها البصري، ربطها بهاشتاغ أو علامة، وتقديمها عبر وسيط قادر على قطع الانتباه وإعادة توجيهه.
لهذا السبب، تُعَدّ المنصّات الرقمية، مثل "يوتيوب"، بيئة مثالية للحرب الإدراكية، لأنّها تجمع بين اقتصاد الانتباه، والاستهداف الإعلاني، والقدرة العالية على التكرار، ما يحوّل الانطباع العابر إلى عادة تفسير.
الإعلان المموّل كأداة
من ميزات الإعلان المموّل على المنصات أنّه يضمن الظهور أمام جمهور غير مُسيَّس أصلًا، ويوحّد شكل الرسالة ويكرّرها، ويختصر التعقيد ويستثمر في ردود فعل عاطفية سريعة. حملة #MLGA على يوتيوب مثلًا، هي إعلانات مموّلة هدفها الترويج لسرديّة تؤكّد أنّ "حصر السلاح بيد الدولة" هو سبيل الخلاص من كل أزمات البلد وأنّ المقاومة في لبنان انتهت وبات البلد في "عهد جديد" يعمل على "إعادة لبنان العظيم". وفي حالة لبنان، حيث الجمهور مُنهك اقتصاديًا ونفسيًا من الأزمات، ومُشتّت سياسيًا، تصبح الرسائل المختصرة التي تعد بـ"نهاية الفوضى" أو "عهد جديد" أكثر قابلية للرسوخ، ليس لأنّها أدق، بل لأنّها أقل كلفة ذهنية. وفي هذا الإطار، يمكن القول أنّ هذه الحملة تستغل عجز الناس عن متابعة التفاصيل، وانجذابهم إلى تفسير واحد جاهز، حتى لو كان يختزل الواقع.
تعتمد هذه الحملة على ما يسمّى في الدراسات الحديثة مفهوم "الانتباه القَسري"، أي انتزاع انتباه المستخدم لثوانٍ وفرض رسالة عليه. فالإعلانات السياسية المموّلة على "يوتيوب" تُجبر المشاهد، مهما كان سبب وجوده على المنصّة، على التقاط "ومضة سياسية" سريعة. هذه الومضة، في منطق الحرب الإدراكية، قد تكون أقوى من خطاب طويل، لأنها تزرع إطارًا ذهنيًا أوليًا يعود لاحقًا ليقود تفسير الفرد لأي خبر أو نقاش مرتبط بالقضية. فبينما يشاهد الطفل برنامجًا كرتونيًا على يوتيوب يجد نفسه مُجبرًا ليتابع إعلانًا يظهر فيه شخصيات كرتونية تروّج لسرديّة سياسية محدّدة، ما يفتح الباب عنده للسؤال حول مواضيع كانت أصلًا خارج دائرة اهتمامه.
وهنا يظهر مفهوم "التهيئة المعرفية"، أي تقديم كلمات أو صور أو مشاهد تُحدِّد مسبقًا طريقة فهم ما سيأتي بعدها. فعندما تتكرر عبارات معيّنة تحت الانتباه القسري، تتحوّل إلى مفاتيح تفسير جاهزة، لا تنقل رأيًا فقط، بل تُعِدّ الذهن لقراءة الوقائع ضمن ثنائيات محدّدة.
ونظرًا إلى أنّ الجمهور العام لا يميل إلى المحتوى السياسي الطويل، تُصمَّم الرسائل على شكل اختصارات ذهنية، مثل صورة، سخرية، رمز، أو كلمة واحدة. لذلك تعتمد الإعلانات المموَّلة على أساليب مثل الكرتون، أو الذكاء الاصطناعي، أو الميمز، لأنها الأسرع في ترك أثر إدراكي.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أنّ صُنّاع هذه الحملة سعوا بشكل واضح إلى تثبيت الغموض حول الجهة المُنتجة، ولذلك اعتمدوا على هاشتاغ #MLGA من دون توقيع واضح، بحيث تبدو الحملة وكأنّها تعبّر عن "مزاج عام". وهذه بطبيعة الحال خطوة مقصودة، ففي الحرب الإدراكية، من المفيد أن يشعر الجمهور أنّه يلتقط "رأي الناس" لا "رسالة جهة"، وهذا بذاته يرفع قابلية الرسالة لتجاوز دفاعات المتلقي.
تفكيك منهجي للحملة
اللغة: شعارات قصيرة تُحوِّل السياسة إلى اختبار أخلاقي
إذا راقبنا الإعلانات نجد أنّ أصحاب الحملة اعتمدوا ثلاث أنماط من العبارات:
أوّلاً، كرّرت الحملة عبارات مركزيّة مثل "لبنان لا يريد الحرب" و"حصر السلاح بيد الدولة".
ثانيًا، اعتمدت عبارات أكثر صدامية مثل "نزع السلاح" و"إقفال القرض الحسن".
ثالثًا، استخدمت عبارات عامية من نوع "حلّ عن سمانا"، إضافة إلى تكرار "ليه يا لبنان" بوصفه سؤالًا عاطفيًا لا تحليليًا.
وبتحليل للغة المستخدمة في الحملة، يمكن القول أنّها تعمل بطريقتين:
الأولى أنّها تضع الموضوع المطروح في إطار أخلاقي. فمثلًا، لا تُقدّم عبارة "لبنان لا يريد الحرب" كجزء من نقاش عن مصادر الحرب ومن يفرضها وكيف تُمنع، بل كقاعدة أخلاقية مُطلقة تجعل الطرف الآخر، ضمنيًا، طرفًا يريد الحرب أو يغامر بالبلد.
الثانية، أنّ اللغة تُقدّم الحل كصيغة قانونية/دولتية سهلة، "حصر السلاح بيد الدولة"، من دون المرور على شروط القدرة والضمانات، ما يخلق شعورًا بأنّ المشكلة ليست معقّدة، بل "قرار ناقص" فقط.
الصورة
أراد أصحاب الحملة أن لا تكون الصور محايدة أبدًا. فتمَّ اعتماد "زر" كبير مكتوب عليه "NO WAR"، ولدينا آلة تسحق السلاح مع عبارة "حصر السلاح بيد الدولة"، ولدينا مشهد مصارعة ثور/حلبة يُطرح ضمنه "نزع السلاح" ويقترن أيضًا بـ"إقفال القرض الحسن"، ولدينا مشهد تمزيق علم مركّب يجمع بين علم لبنان وراية المقاومة ثم الإبقاء على علم لبنان وحده، ولدينا كرتون يُظهر جهة خارجية تُسلّم المال والسلاح لداخل لبناني ثم يُسقطه "عهد جديد للبنان"، ولدينا أيضًا مشاهد مسيئة لأمين عام حزب الله تربطه بأزمات لبنان.
ومن خلال تحليل الصور، يمكن القول أنّها تخدم وظيفة معرفية محدّدة، فهي تعرض "نهاية المشهد"، بحسب رواية صاحب الحملة، لا "منطقه". فمثلًا، عندما ترى السلاح يُسحَق، فإنّ دماغك لا يناقش قابلية التنفيذ؛ بل يتلقى رسالة مفادها "هذا ما يجب أن يحدث وهذا ما سيحدث". وعندما ترى علم لبنان يُفصل بالقوة عن راية المقاومة، فإنك لا تناقش طبيعة العلاقة بين الحزب والدولة؛ بل تتلقى رسالة مفادها أنّ "الوطن لا يجتمع مع هذا الرمز". وعندما ترى الثور يُروَّض في حلبة، فإنّك تتلقّى معنى السيطرة والإذلال وإخضاع القوة الجامحة. هذه هي قوة الصورة في الحرب الإدراكية، فهي تجعل السياسة تُفهم كرمز حاسم دون الدخول في تعقيداتها المختلفة.
السخرية
السخرية هنا ليست مجرد أسلوب شبابي. في علم التأثير، تُستخدم السخرية لتخفيض المكانة الرمزية للخصم. فحين يتحول رجل دين/قائد إلى "شخصية ثوم" أو "دمية على مكتب"، فإنّ المتلقي، خصوصًا الناشئة، يتعلّم أن يتعامل معه بوصفه موضوع ضحك لا موضوع نقاش. وهدف هذا الأسلوب هو تقليل التعاطف وزيادة الاستعداد لتقبّل إجراءات قاسية ضد المقاومة، لأنّك لا تشعر أنّك تستهدف إنسانًا أو مجتمعًا، بل "نكتة". وغالباً ما يتمّ استخدام هذا الأسلوب، أي أسلوب "النكتة"، لأنّ الناس تُعيد نشره بشكل أسرع من التحليل، فينتقل عبر المدارس والهواتف والمحادثات، لتتحوّل الحملة إلى مادة ترفيه سياسي، وهو أخطر أشكال التغلغل الإدراكي لأنّها تبدو غير سياسية.
ما الهدف الاستراتيجي الذي تخدمه هذه المقاطع؟
لفهم وظيفة هذه الإعلانات في لبنان، يجب النظر إليها كجزء من "معركة تعريف" لا مجرد معركة موقف. في السياق اللبناني، تدور معارك كبرى حول تعريف السيادة، وتعريف الأمن، وتعريف أولوية التعافي. وهنا تُحاول هذه الإعلانات إعادة تثبيت التعاريف الثلاثة داخل إطار واحد بحيث تُختزل السيادة إلى احتكار السلاح، ويُختزل الأمن إلى "لا حرب"، ويُختزل التعافي إلى تفكيك منظومة المقاومة وتجفيف أدواتها. وهنا تأتي هذه الإعلانات لحسم النقاش عبر جعلها بديهيات أخلاقية وصورية، ثم ربطها تلقائيًا بخصم واحد وبمسار واحد، وهو المقاومة ونزع سلاحها.
كيف نواجه هذه الحملة؟
لا يمكن مواجهة هكذا حملات بأساليب تقليديّة، مثل طرح ردّ سياسي طويل على كل شعار، لأنّ الإعلانات المدفوعة لا تعمل بهذا المنطق أصلًا، بل بمنطق الثواني (السرعة) والانطباع (الصورة الذهنية). وفي هذا السياق يمكن اعتماد ما يُسمّى "التلقيح الإدراكي"، أي تزويد الجمهور، بلغة واضحة لا تبسيط فيها ولا تعقيد مُربك، بتفكيك مسبق لكيفية توجيه الرسالة ضده. المطلوب هنا هو أن يرى المتلقّي "خريطة العملية" قبل أن تنجح في التأثير على وعيه.
وهذا ما نفعله في هذا المقال، من خلال شرح أنّ الحملة تعمل عبر إعلانات مموَّلة تقتطع انتباهًا قسريًا، وتزرع تهيئة عاطفية، ثم تقدِّم اختزالًا أخلاقيًا، وصولًا إلى ترسيخ حلٍّ نهائيٍّ. وعندما يفهم المتلقي الآلية، تتراجع فاعليتها فورًا، لأنّ الدماغ ينتقل من الاستجابة الحدسية إلى المراقبة النقدية. ولا بدّ من الالتفات إلى أنّ هذا التلقيح يجب أن يستهدف الفئات الأصغر سنًا لأن الحملة تستخدم أدوات "ميمية" كرتونية تسهّل الالتقاط بلا وعي سياسي.
الخطوة الثانية هي بناء بديل سردي لا يقوم على الإهانة المضادة ولا على سخرية مماثلة، لأنّ تقليد السخرية يوسّع الاستقطاب ويُعيد جذب الجمهور نحو الحملة. يجب أن يعترف البديل السردي المطلوب بمشاعر الناس التي تستثمر فيها الحملة، الخوف من الحرب، الرغبة بدولة، التعب من الفوضى، ثم يفصل بين القيم العامة وبين اختزالها في مسار واحد.
بمعنى آخر، ينبغي التأكيد للناس أنّ مطلب الدولة والأمن هو مطلبٌ جامع لا خلاف عليه، لكن المشكلة تبدأ حين يُحوَّل شعار مثل "لا للحرب" إلى ابتزازٍ أخلاقي يُجرّم أي نقاش في مصادر التهديد وكيفية منع الحرب وتوازنات الردع، ويختزل ملفًا مركّبًا في ثنائيةٍ سطحية بين "مُحبّي السلام" و"دُعاة الحرب". وبالمثل، نعم نريد سيادة، لكن السيادة لا تُختصر في لقطة رمزية لسحق سلاح؛ السيادة في معناها العملي هي منظومة قدرة، أي مؤسّسات قادرة على القرار والتنفيذ، وضمانات أمنية تمنع الاعتداء وتقلّل كلفة الخيارات، وقواعد اشتباك وسياسة دفاع واضحة، وحماية فعلية للمواطنين، واقتصاد يملك حدًا أدنى من المناعة. وليس الهدف هنا إغراق الجمهور بالتفاصيل، بل إعادة فتح "المساحة الرمادية" التي تُغلقها الإعلانات، مساحة الأسئلة الواقعية التي تمنع الحتميات الزائفة.
*كاتب وباحث في العلاقات الدوليّة