تناقضات نواف سلام حول مشروع قانون الفجوة المالية
ظهر رئيس الحكومة نواف سلام في مؤتمره الصحفي في 26 كانون الأول 2025 للحديث عن مشروع قانون "الانتظام المالي واسترداد الودائع" بمظهر يعكس سلوكيات غير ظرفية ولا مرتبطة بلحظة ارتباك، بل أقرب إلى نهج أصيل في التعامل مع الرأي العام. فبدل مقاربة الانتقادات باعتبارها مساهمة طبيعية في نقاش مشروع قانون يمس مئات آلاف المودعين، صنّف سلام الاعتراضات على أنها "حملات رخيصة"، وهاجم أصحابها بأسلوب يوحي بأن الاعتراض بحد ذاته ممنوع. هذا الفهم الضيق لموقع النقد في الحياة السياسية يعكس ذهنية أقرب إلى القمع المعنوي منها إلى المشاركة الديمقراطية، ويثير سؤالًا مشروعًا: كيف يمكن لرئيس حكومة يقدّم نفسه كنتاج تجربة دبلوماسية ليبرالية أن يعجز عن مخاطبة الانتقادات باتساع أفق؟ في خطاب سلام، بدا واضحًا أن الاعتراض أو النقد يترجَم عداءً شخصيًا، في معيار يناقض أبسط مقومات رجالات الدولة.
ورغم الخطاب الهجومي ضد المنتقدين، أقرّ سلام في المؤتمر أن هذه الانتقادات أدّت فعليًا إلى تعديل نص مشروع القانون. فقد أضافت الحكومة بنودًا تتعلّق بالتدقيق الجنائي وبحماية احتياطي الذهب، ما يعني أن ما وصفه بـ"الحملات الرخيصة" كانت في الواقع سببًا مباشرًا لتحسين المشروع وإدخال تعديلات كانت ضرورية عليه، ما كان يستدعي بدل التهجم ورفع منسوب التوتر، توجيه الشكر إلى المنتقدين.
أخطر ما ورد في المؤتمر يتصل بمسألة أصول مصرف لبنان التي قال سلام إنها تبلغ 50 مليار دولار وتشكل ضمانة للسندات المقترحة للمودعين، مع تأكيد "قاطع" بعدم المس بالذهب، واصفًا اتهامات "بيع الذهب" بأنها "افتراءات"، معلنًا إضافة نصّ ملزم يحترم قانون حماية الذهب.
هنا، يبدأ سلام مرحلة التزوير وخداع اللبنانيين:
- يشير المشروع صراحة الى "المعادن الثمينة" كجزء من الأصول الداعمة للسندات.
- بحسب المشروع، فإن العائدات الناتجة عن بيع الأصول، هي واحدة من ضمانات السندات.
- في مكان آخر، يظهر تناقض مع النقطة السابقة، حيث يشير المشروع إلى عدم المس بملكية مصرف لبنان لأصوله، أي أن "الهرطقة" تدور حول بيع الأصول وعدم المس بها في الوقت نفسه.
- في مؤتمره الصحفي، قال سلام إن محفظة أصول مصرف لبنان تحوي ما قيمته نحو 50 مليار دولار، علمًا أن الذهب وحده يوازي حوالى 40 مليار دولار، وبقية الأصول مجتمعة لا تقارب الـ 10 مليارات دولار. هل يستطيع سلام إخبار اللبنانيين من أين سيأتي بالـ50 مليار دولار بدون الذهب؟
بالمحصلة، يزوّر نوّاف الحقيقة أمام اللبنانيين بقوله إنه يسعى لضمان السندات بأصول مصرف لبنان، والتي قيمتها خمسون مليار دولار، من دون المس بالذهب. لا يعتمد مشروع سلام على أرقام مفصّلة، وهو مبني على سيناريوهات زمنية طويلة بلا ضمانات تنفيذ، والغموض الذي يلف كلامه في تعريف "أصول مصرف لبنان" يشبه الغموض الذي رافق السياسات النقدية السابقة. يبيع سلام اللبنانيين الأوهام فيما هو وحكومته يقومان بملء حفرة بلا قعر. الوعود كثيرة، لكن الضمانات قليلة، والخطاب المتوتر لا يبني الثقة. اللبنانيون بحاجة إلى أرقام موثّقة والحق بالمساءلة قبل شعارات "استعادة الحقوق".