ردٌّ على اليمين العنصري: نساء حزب الله يُغنين الهوية اللبنانية
بقلم: فاطمة نور الدين*
في مقال نُشر في صحيفة «نداء الوطن» بتاريخ 15-12-2025، بعنوان «هل من حسناء في الضاحية تقف على سقف سيارة؟»، ووقّعه الكاتب أمجد إسكندر، طُرحت مقاربة لما سُمّي «الاستبداد المجتمعي» داخل بيئة حزب الله، مركِّزة على صورة المرأة ودورها، ومقدِّمة قراءة تختزل مجتمعًا لبنانيًا كاملًا في قالب واحد.
يقع كاتب المقال في فخٍّ مزدوج: أوّله اختزال مجتمع لبناني كامل في صورة نمطيّة جاهزة، وثانيه إسقاط تجربة دولة على مجتمع مختلف في التكوين والتاريخ والاختيار، ثم الادّعاء –من موقع الوصاية– بالقلق على نسائه.
أولًا، إنّ مجتمع الحزب في لبنان مجتمع لبناني الهوية والانتماء، نشأ داخل الدولة اللبنانيّة، وتشكّل من بيئتها الاجتماعيّة والثقافيّة، لا من استنساخ خارجي. المرأة فيه تُربّى على التعدّد، والانفتاح الفكري، والتفاعل مع بيئات وطوائف مختلفة، لا داخل «غيتو» مغلق كما يُراد تصويره. إنَّ الإصرار على نزع هذه الهويّة اللبنانيّة عنه ليس تحليلًا موضوعيًا، بل موقفٌ سياسيٌّ مقيت.
ثانيًا، نساء حزب الله الفاعلات في المجال العام والشأن الحزبي ومؤسّسات الحزب يفوق عددهنَّ 40 ألف امرأة، وهو رقم قد يكون قياسيًا على مستوى النشاط الحزبي العالمي في ما يخص مشاركة المرأة. هؤلاء النسوة حاضرات في مختلف المستويات الصحيّة والاجتماعيّة والثقافيّة والتربويّة، ويؤدّين أدوارًا مؤثّرة لا يمكن تجاهلها. وهذا الرقم بحدِّ ذاته لا يمكن أن يكون عابرًا.
ثالثًا، سؤال «أين المرأة المعارضة داخل بيئة الحزب؟» سؤالٌ مضلِّلٌ في جوهره. فالمعارضة ليست معيار الحرية الوحيد، ولا الصراخ شرط الوعي. المرأة في هذه البيئة لم تُجبر على الانتماء، ولم تُفرض عليها خياراتها السياسيّة أو الاجتماعيّة. هي اختارت، بوعي وقناعة، المقاومة والانتماء، ولذلك لا نسمع «صرخات» مُصنَّعة تُرضي وسائل الإعلام. الصمت هنا ليس قمعًا، بل تعبيرٌ عن اقتناع، وهو مفهوم يبدو عصيًّا على من لا يرى الحريّة إلا في التفلّت الأخلاقي والتحرّر من قيم المحافظة.
رابعًا، المقارنة بين المرأة الإيرانيّة والمرأة اللبنانيّة مقارنة غير علميّة وغير أمينة.
فالمرأة الإيرانيّة وُلدت داخل نظام سياسي قائم، شاءت أم أبت، ومع ذلك، ووفق دراسات وإحصاءات رسميّة، فهي حاضرة بقوّة في الجامعات، والبحث العلمي، والبرلمان، والمواقع الإداريّة، وقد عزّز النظام الإسلامي –الذي لا ينفكُّ كاتب المقال واليمين المتطرّف الذي ينتمي إليه من التصويب عليه– هذا الحضور بدل محوه.
في المقابل، المرأة اللبنانية –على اختلاف انتماءاتها– لا تزال محرومةً من أبسط حقوقها المدنية:
• لا تمنح جنسيّتها لأولادها
• بلا ضمان شيخوخة
• تقديمات صحيّة واجتماعيّة ضئيلة مقارنة بأبسط الحقوق الممنوحة للمرأة في دول أخرى
• تمثيل سياسي محدود
وهذه معركة بنيويّة ضدَّ دولة طائفيّة منهارة على كافّة الصعد، لا ضدَّ حجاب امرأة. ومن المؤسف أن تكون لبنانيًا ولا تعي ما الذي يمثله الحجاب للمرأة المسلمة.
فهل من العقل أو العدالة اختزال قضايا النساء في الحجاب، وتجاهل حقوق مصيريّة تمسُّ كرامتهنَّ ووجودهنَّ؟
فحسب تقرير هيومن رايتس ووتش لعام 2025، قتلت إسرائيل 127 مدنيًا، منهم نساء وأطفال. فالمرأة اللبنانية في بيئة المقاومة، المحرومة من أبسط حقوق العيش بأمان بسبب آلة القتل الإسرائيلية، لا ينادي إسكندر بهذه الحقوق، ولم يسمع بها، لأنَّ فكره الانعزالي ودعواته الممهّدة لإبادة شريحة تشكّل ثلث النساء اللبنانيات تستحوذ على اهتمامه.
خامسًا، الادّعاء بأنَّ «إيران انصاعت في مسألة عدم إلزام الحجاب» معلومة مضلِّلة تُستخدم انتقائيًا. كما أنَّ استحضار حالة نرجس محمدي وتعميمها على مجتمع كامل تبسيط فجّ، يُغفل أنَّ كلَّ مجتمع يُنتج معارضيه ومؤيّديه وفق ظروفه الخاصّة. فلماذا لا تُعمَّم آراء ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز (Alexandria Ocasio-Cortez)، نائبة في الكونغرس، التي تعارض الرأسمالية المتوحّشة، وسياسات البنتاغون، والدعم غير المشروط لإسرائيل، ويُصار إلى إظهارها على أنها تمثل المزاج الأميركي؟
أما السؤال الحقيقي فهو: لماذا يُمنح الاعتراض في إيران صفة البطولة، بينما يُنكر على المرأة اللبنانية حقّها في الاختيار حين تختار طريقًا لا يرضي الأبواق الإعلامية؟
سادسًا، الحديث عن «استبداد مجتمعي» داخل بيئة الحزب يتناقض مع واقع أنّ هذا الحزب الأكثر تمثيلًا لخيارات مجتمعه، لأنّه نشأ منه لا فوقه. فالاستبداد لا يُنتج هذا المستوى من الالتفاف الشعبي ولا هذه الاستمراريّة، بل ينهار عند أوّل اختبار.
سابعًا، ما يجمع بيئة الحزب بإيران ليس التبعية، بل منظومة قيم واضحة:
الحرية، العدالة، الدفاع عن الأرض، ورفض الخضوع.
وهي قيم، على عكس منطق المصالح، لا تُقاس بميزان الرضا الغربي، ذاك الغرب الذي يتغنّى بالنسويّة وحقوق الإنسان، بينما يدعم الاحتلال، ويحاصر الشعوب، وينهب ثرواتها، ويصمت عن الإبادة.
ثامنًا، المفارقة الأخلاقيّة الصارخة أنَّ الجهات نفسها التي تهاجم بيئة الحزب بحجّة «الانغلاق» تعجز عن تقبّل المختلف داخل طوائفها، وتُقصي أبناءها وتخوّنهم سياسيًا، ثمّ تتجرّأ على تقديم نفسها وصيّة على التعدّدية.
والأوضح أنّها تهاجم لوحة إعلانية لامرأة محجبة في منطقة مسيحيّة، في خرق فاضح للدستور اللبناني الذي يكفل حرية المعتقد، ثم تدّعي القلق على حرية التعبير في إيران.
أخيرًا، بعد فشل خطاب «السلاح» و«الخطر الوجودي»، انتقلت الماكينة الإعلامية المأجورة إلى توظيف جسد المرأة وحجابها كسلاح سياسي، لا دفاعًا عن النساء، بل استثمارًا في شيطنة بيئة كاملة.
المشكلة ليست في «بيئة الحزب»، ولا في نسائها، بل في عجز فكري عن تقبّل أنَّ الحرية قد تتّخذ شكلًا لا يشبه الغرب، ولا تمرّ عبر شعاراته. ومن لا يحتمل هذا الاختلاف، فمشكلته مع التعدّدية ذاتها، لا مع من يمارسها.
أما توصيف نساء بيئة كاملة بأنهنّ بحاجة إلى «الطب النفسي العيادي»، كما ورد في مقال الكاتب أمجد إسكندر في «نداء الوطن»، فليس سقطة لغويّة عابرة، بل انحدار خطير في الخطاب. فحين يعجز الكاتب عن فهم خيار المرأة، يلجأ إلى مرضنتها؛ وحين يفشل في تفكيك القناعة، يستبدل التحليل بالتشخيص.
إنّ تحويل الاختلاف السياسي أو الثقافي إلى «حالة نفسية» أسلوب قديم، استخدمته الأنظمة الاستبدادية لإسكات المعارضين، ويُعاد إنتاجه اليوم لإلغاء الخصوم أخلاقيًا وفكريًا. كما في ألمانيا النازية، حيث صُنِّف المعارضون واليهود والغجر وغيرهم بأنّهم «غير أسوياء» أو «منحطّين بيولوجيًا»، ما مهّد أخلاقيًا لإقصائهم واضطهادهم.
نساء الضاحية لا يحتجن إلى عيادة نفسيّة لأنهنَّ لم يصرخن كما يُراد لهنَّ، بل ربّما يحتاج الخطاب الذي يعجز عن تقبّل امرأة حرّة في اختيارها إلى مراجعة عميقة لمفاهيمه عن الحرية والعقل والكرامة. فالسواء النفسي لا يُقاس بدرجة الضجيج، ولا بعدد الصور، بل بقدرة الإنسان على اتخاذ موقفه بوعي ومسؤولية.
ولمن يسأل: حسناوات الضاحية لا يبحثن عن سقف سيارة ليُسمِعن أصواتهن،
فصوتهنَّ حاضرٌ حيث يُبنى الإنسان وتُحفَظ الكرامة، لا حيث تُصنَع اللقطة.
*إعلامية ومتخصصة في الإعلام التربوي