هندسة الهزيمة في الوعي: من “كيف نواجه العدوان؟” إلى “كيف ننهي الورطة؟”

بقلم: د. محمد حسن سويدان*

يجب أن تتغيّر مقاربتنا كلّها تجاه الحرب مع العدو الإسرائيلي، لأنّ ما نعيشه اليوم لم يعد حربًا عسكرية بالمعنى التقليدي فقط. صحيح أنّ الميدان العسكري ما زال ساحةً مركزية، لكنّه بات جزءًا من منظومة حرب أوسع تتوزّع على ساحات متوازية لا تقلّ تأثيرًا، وعلى رأسها ساحة الوعي، أي ساحة تشكيل الإدراك العام، وضبط تفسير الناس للأحداث، وتوجيه مزاجهم السياسي والنفسي، وصياغة «ما الذي يُعدّ طبيعيًا» وما الذي يُعدّ «مرفوضًا» أو «غير ممكن».

لماذا تتقدّم ساحة الوعي إلى هذه الدرجة؟ لأنّ الهدف النهائي لإسرائيل اليوم ليس مجرّد احتواء المقا....و.مة أو تقليص قدرتها لفترة محدودة، بل محاولة «حسم» المعركة، أي إنتاج واقع جديد لا تعود فيه المقا....و.مة قادرة على استعادة المبادرة، ولا يعود فيه المجتمع الحاضن قادرًا على حماية خياراته أو الدفاع عنها سياسيًا وأخلاقيًا. و«الحسم» بطبيعته لا ينجح بأدوات عسكرية وحدها، حتى لو كانت شديدة العنف. فالتجارب تُظهر أنّ القصف قد يدمّر البنى ويقتل البشر، لكنّه لا يضمن تلقائيًا تفكيك الإرادة، ولا يحسم اتجاهات المجتمع، ولا يصنع شرعيةً جديدة. لذلك، يصبح السلاح العسكري في هذه الاستراتيجية مجرّد أداة ضمن سلة أدوات أوسع، هدفها النهائي ليس تدمير القدرة فقط، بل إعادة تعريف المعنى: معنى «الانتصار» و«الهزيمة»، معنى «الأمن» و«الخطر»، معنى «المقا...و.مة» و«المغامرة»، معنى «الدولة» ودورها، ومعنى «المصلحة الوطنية» ومن يملك حقّ الحديث باسمها.

ومن هنا تتضح فكرة جوهرية: الحسم يتطلّب دمج مجموعة أدوات تعمل معًا على خطّ واحد. على المستوى العسكري، يجري السعي إلى إضعاف المقا...و.مة عبر الاستنزاف، وقطع الإمداد، وضرب البنى القيادية والقدرات النوعية، وإدامة الضغط بما يمنع إعادة تنظيم القوة بسرعة. لكنّ هذا وحده لا يكفي إذا بقيت «المشروعية الداخلية» صلبة؛ لأنّ أي قوة قادرة على إعادة البناء تستمدّ جزءًا كبيرًا من قدرتها على الاستمرار من القبول الشعبي، ومن اقتناع بيئتها بأنّ كلفة الصمود أقلّ من كلفة الخضوع.

لذلك تتحرّك الأداة الإدراكية جنبًا إلى جنب مع الأداة العسكرية. فيتمّ العمل على تفكيك صورة المقا...و.مة في داخل مجتمعها وخارجه، وتحويلها من «حاجة دفاعية» إلى «عبء»، ومن «قوة ردع» إلى «سبب خراب»، ومن «خيار سيادي» إلى «مغامرة غير مسؤولة». وهذا لا يتمّ فقط عبر الإعلام المباشر، بل عبر سلسلة عمليات أعمق هدفها خلق انقسام اجتماعي حاد حول تعريف العدو والأولوية، وتضخيم الأخطاء وتعميمها كقاعدة، ودفع الناس إلى الشعور بالعجز وفقدان الجدوى، وتآكل الثقة بين الجمهور ومؤسسات المقا...و.مة، ثم نقل النقاش تدريجيًا من سؤال «كيف نواجه العدوان؟» إلى سؤال «كيف نُنهي هذه الورطة وبأي ثمن؟».

وعندما تنجح هذه المراحل، يصبح الانتقال إلى المرحلة السياسية أسهل. وهنا الهدف: تغيير موازين الداخل، ودفع البلد نحو خيارات تُقدَّم على أنّها «واقعية» و«منقذة»، لكنّها عمليًا تعيد تموضعه من بلدٍ في موقع العداء والاشتباك إلى بلدٍ في موقع التبعية والضبط. أي تحويل الصراع من صراع على السيادة والقرار إلى صراع على شروط «التهدئة» و«المساعدات» و«إعادة الإعمار» و«الاستقرار»، بحيث تُربط الحياة اليومية للناس بسقف سياسي وأمني جديد تُحدّده إسرائيل وحلفاؤها أو منطقهم.

بهذا المعنى، نجاح استراتيجية الحسم قائم على نجاح كلّ عناوينها مجتمعة لا منفردة. فالعسكرية من دون الإدراكية تنتج دمارًا بلا نتيجة حاسمة، والإدراكية من دون ضغط ميداني قد تفشل في فرض الإيقاع، والسياسية من دون تفكيك الشرعية الداخلية قد تُواجَه برفض واسع. لذلك، المعركة ليست فقط حول «ماذا يحدث على الجبهة؟»، بل أيضًا «كيف يُفهم ما يحدث؟»، و«من يملك حقّ تفسيره؟»، و«أي سردية ستبقى هي المهيمنة عندما يهدأ القصف؟».

ومن هنا يبدأ التغيير المطلوب في مقاربتنا؛ فعلينا أن نتعامل مع ساحة الوعي بوصفها خطّ دفاع أساسيًا لا ملحقًا ثانويًا، وأن نفهم أنّ المعركة على المعنى لا تقلّ أهمية عن المعركة على الأرض، وأن ندرك أنّ حماية المجتمع من الانهيار النفسي والسياسي، وصيانة شرعيته الداخلية، وبناء خطاب واضح ومتماسك، ليست أعمالًا فرعية أو دعائية، بل جزءًا من شروط منع العدو من تحقيق أهدافه.

*كاتب وباحث في العلاقات الدوليّة

منشورات ذات صلة