أتراه رحل؟

بقلم: كرم حمية

عامان مرّا كأنهما عقدان من الفقد المُقرح، لكنهما كبرهة من الغياب!
قيل إنه "الحاضر رغم الغياب" وهو لم يغب قط، فما زالت تتجلى صورته في وجدان الصامدين وقلوب المرابطين كأيقونة عز، وتبدو جلية بصماته عند كل حدث، فتتسلل كلماته الدافئة إلى الأسماع كأسفار تتنبأ بالمستقبل، تخبرنا ببعض ما كان وما سيكون، وتذكرنا بما كاد يغيب عنا مذ فقدنا الرجل البوصلة الذي، كجده، يدور مع الحق والحق يدور معه كيفما دار، فلا يحني رأسه للعواصف ولا يخشى في الحق لومة لائم.


ما زال قلبه الممتلئ حبًا وحزمًا ينبض في قلوب الجرحى، ينير بيوت عوائل الشهداء، يربت على كتف المدافعين الصابرين تحت حمم الحقد في وديان الجنوب وكهوفه. يسمعون وقع أقدامه، يلمحون طيفه، يستشعرون حنان كفيه على رؤوس الأيتام، ويستذكرون دموعه التي لم يذرفها على ابنه لكنها كانت تخنقه دومًا حين يذكر تضحياتهم أمام العالم كأب فخور بعائلته الممتدة من أعالي بعلبك إلى ربى عاملة الإباء، يشعر بأصغر آلامها كواحد منها، يواسي أفرادها في معيشتهم وطعامهم ولباسهم، ويخفق قلبه فرحًا لنجاح أي منهم.


القائد الاستثنائي، سيد الانتصارين الكبيرين عامي 2000 و2006، ومهندس الردع الذي استمر لـ 18 عامًا حتى أغمض عينيه، الخطيب المفوه الذي جعل خطابه مرادفًا للمصداقية، فحق له أن يرث بجدارة لقب جده الصادق الأمين، والمهذب الخجول اللبق الذي لم يزل لسانه قط بكلمة مسيئة حتى لأعدى أعدائه، والوحدوي حتى النخاع الذي لم يفتتح خطابًا إلا بذكر الصحابة بعد الصلاة على النبي وآله والذي جعل التقريب بين المذاهب الإسلامية أصلًا حزبيًا لا يسقط بالاجتهادات. التحرري الذي أيد كل حركات التحرر المحقة حول العالم، وحمل مظلومية الإنسان المستضعف أيًا كان لونه وعرقه ودينه وهواه في قلبه وعقله ووجدانه. الشجاع الذي أرهقه ثقل الأمانة فما استسلم قط، وآلمه فقد الأحبة فلم ينكسر، ومضى بعمامته السوداء يطوي سني عمره، يصبو لعزة شعبه وكرامة أمته، لا تراوده فكرة الاستسلام للحظة ولو أثقلته الجبال بحملها، فصار هو الأثر الثمين الباقي من مفقودي الأثر، والعلامة الفارقة المناقضة لكل ما يمثل الاستكبار والغطرسة.


ظل لأكثر من عقدين "العدو العربي الأكثر إشغالًا للرأي العام في إسرائيل، الذي ينتظر الإسرائيليون خطابه وينصتون إليه ويصدقونه" وظهير المقاومة الفلسطينية الذي يمكن المراهنة عليه، حتى أصبحت كل تفصيلة في ظهوراته، بدءًا من لغة الجسد وصولًا إلى الخلفيات والرسائل السياسية، تخضع لتحليل المؤسسات الأمنية التي أوصت بتشويه صورته وحجب خطاباته، فكان الإعلام العربي أول المنفذين، وفي يوم استهدافه أعلن نتنياهو تنفيذ عملية "النظام الجديد" /ميفستاع سيدر حداش/ معترفًا بأن السيد كان العائق الأول أمام ولادة مشروع نتنياهو للشرق الأوسط بوصفه "محور المحور" الذي يحاصر أحلامه ويقظته ويمنع دفن القضية الفلسطينية إلى الأبد.


"السيد" السيد بكل ما تعنيه الكلمة، كرس حياته بإصرار لا يلين من أجل أن يكون أبناؤه "سادة" بحق يقررون مصيرهم ويرسمون مستقبلهم المستقل بأنفسهم، فغدا مدرسة للأجيال لا تموت.. أتراه رحل؟ كيف يرحل من لا تزال أنفاسه تعلو وتخبو في صدور آخر جنود الحق على جبهة الحق الأسمى وكربلاء العصر في جبل عامل الأشم!

منشورات ذات صلة