بنت جبيل تحملها عائلاتها: نزوحٌ بلا دعم من الدولة.. وتمسّكٌ بالأرض والمقاومة
في بنت جبيل، لا تقتصر آثار العدوان على الأبنية المهدّمة. خلف المشاهد المصوّرة، عائلات غادرت منازلها، وأعمال توقفت، وحياة يومية انقطعت فجأة وحنينٌ كبير إلى الأرض.
ومنذ أشهر، يتوزع أبناء المدينة على مناطق لبنانية عدة، فيما تحاول البلدية متابعة أوضاعهم، وتوثيق الأضرار، والتحضير لمرحلة العودة وإعادة الإعمار، تمتينًا للصمود.
النزوح إلى 22 قضاءً
يقول رئيس بلدية بنت جبيل، الحاج محمد بزّي، في حديث إلى منصة «بيروت ريفيو»، إن أبناء المدينة يتوزعون على نحو 22 قضاءً لبنانيًا.
وبحسب أرقام البلدية:
- تستضيف كسروان نحو 300 عائلة.
- تتوزع قرابة 300 عائلة بين عرمون والشويفات وغرب جبل لبنان وشملان ودوحة الحص وخلدة والناعمة.
- تقيم نحو 150 عائلة في صيدا وجوارها.
- تستضيف الضاحية الجنوبية نحو 200 عائلة.
- تتوزع بقية العائلات على مناطق لبنانية مختلفة.
تطالب البلدية الدولة بدفع مستحقاتها المتأخرة
تواجه البلدية أزمة مالية تحدّ من قدرتها على مساعدة النازحين. ويوضح بزّي أن دفع بدل الإيواء يحتاج إلى موازنة دولة.
وتقتصر مساعدات البلدية، وفق رئيسها، على تأمين الأدوية وبعض المساعدات الطبية، وتقديم حصص غذائية بقيمة تقارب 50 دولارًا، إضافة إلى مساهمات مالية لتغطية فروقات الاستشفاء والعلاج.
وفي محاولة لتأمين دعم إضافي، زار وفد من البلدية وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، وسلّمها قوائم بالعائلات المسجّلة على المنصة الرسمية والمصنّفة تحت خط الفقر.
وبحسب البلدية، يتراوح عدد العائلات الموثقة والمستحقة للمساعدة بين 1650 و1800 عائلة. وقد جرى الاتفاق على إدراج نحو 800 إلى 900 عائلة في المرحلة الأولى ضمن برنامج مساعدات يمتد من ثلاثة إلى أربعة أشهر، بواقع 45 دولارًا لرب الأسرة و25 دولارًا عن كل طفل.
في المقابل، تطالب البلدية الدولة بدفع مستحقاتها المتأخرة عن عام 2023، إضافة إلى مستحقاتها من الصندوق البلدي المستقل وعائدات الهاتف والخليوي.
دمار يطال 85% من المدينة
تقدّر البلدية نسبة الدمار في بنت جبيل بنحو 85%، وقد شمل مرافق تربوية ورسمية وصحية ودينية واقتصادية، أبرزها:
- تدمير 11 مدرسة من أصل 14 تدميرًا كاملًا، وتضرر المدارس الثلاث الأخرى جزئيًا.
- تدمير مبنى البلدية والسرايا الحكومية.
- تضرر مركز الشؤون الاجتماعية ومركز الصليب الأحمر.
- تدمير المركز الرئيسي لمؤسسة مياه لبنان الجنوبي.
- تدمير المصارف السبعة العاملة في المدينة.
- تضرر نحو 20 مسجدًا وحسينية.
- تدمير المسلخ البلدي وخزانات المياه الرئيسية.
- تدمير خزان المياه الذي أُنشئ بالتعاون مع «اليونيفيل» عام 2025.
وتتحدث البلدية أيضًا عن قيام قوات العدو بتفكيك أجزاء من عدد من المنازل والفلل، وسحب الحجر والرخام والألومنيوم والحديد والأثاث منها.
التحضير لإعادة الإعمار
رغم حجم الدمار، يؤكد بزّي أن بنت جبيل ستعود إلى الحياة، مستندًا إلى تجربتي إعادة الإعمار بعد عامي 2000 و2006.
ويقول: «طالما المقاومة موجودة، رح نرجع عالضيعة ونعمّرها أحلى مما كانت»، معتبرًا أن دماء الشـ..ـهداء والمفقودين وأشلاء الشـ..ـهداء الموجودة في بنت جبيل ستعيد أبناءها إليها.
كما يرى أنه لولا دماء الشـ..ـهداء وصمود المقاتلين «لكان العدو قد وصل إلى صيدا وبيروت».
وفي إطار الاستعداد للعودة بعد زوال الاحتلال، شُكّلت لجنة هندسية وفنية بالتنسيق مع نقابة المهندسين، لإعداد الدراسات والمخططات اللازمة لإعادة بناء المدينة وتأهيلها فور انسحاب قوات الاحتـ..ـلال.
«أسّسنا كل شيء من جديد»
خلف الأرقام والمخططات، تحمل العائلات النازحة حكاياتها الخاصة.
يقول حسين، أحد أبناء بنت جبيل:
«تغيّرت حياتنا كليًا. تركنا أشغالنا وبيتنا وكل التفاصيل الصغيرة، واضطررنا إلى تأسيس كل شيء من جديد: سكن جديد، وعمل جديد، وبيئة جديدة».
ورغم ذلك، يؤكد حسين تمسّكه بالعودة وإعادة بناء البلدة، منتقدًا غياب الدولة عن مساعدة النازحين: «ما شفنا شي من الدولة، ولا شي. لو بدها تعمل، كانت عملت».
أما كاميليا، فتقول إن عائلتها لم تتمكن من التأقلم مع العيش في بيروت، لذلك تنتقل يوميًا من صيدا إلى العاصمة لمتابعة أعمالها:
«لا نستطيع العيش وسط زحمة بيروت. نشعر بأن الدولة تخلّت عن أرضنا ووقفت ضدنا خلال الحرب، ولذلك نتمسّك أكثر بالمقاومة».
زهراء: مدرسة ورفاق تركتهم الحرب
تركت زهراء مدرستها ورفاقها في بنت جبيل، قبل أن تفقد بعضهم خلال الحرب. وتقول إن كل منزل يُجرف وكل غارة تستهدف البلدة يزيدان تمسّكها بها.
وتؤكد أنها ستعود إلى بنت جبيل وتعيد بناء منزلها «حجرًا فوق حجر»، مناشدة الدولة مساعدتها على التسجيل في مدرسة وتأمين المستلزمات الضرورية للعام الدراسي الجديد.
بنت جبيل اليوم ليست مجرد أبنية مدمّرة وأرقام عن النازحين. إنها مدينة تحملها عائلاتها معها أينما نزحت، وتنتظر لحظة العودة إلى أرضها، واستعادة ما انقطع من حياتها، والبدء من جديد.