نداء الأنبياء.. المقال الأخير للإمام المغيب السيّد موسى الصدر قبل أسبوع من اختطافه

في 23 آب 1978 نشر الإمام موسى الصدر مقالًا مهمًّا في صحيفة "لوموند" الفرنسيّة حول موضوع الثورة الإسلاميّة في إيران، يُعتبر الآن وثيقة فريدة، خصوصًا أنّه آخر مقال كتبه سماحته قبل اختفائه في 31 آب 1979 من العام نفسه وقبل انتصار الثورة المباركة في إيران.


وهنا ترجمة حرفيّة لهذا المقال:

"تختلف انتفاضة الشعب الإيراني عن كلّ الحركات المماثلة لها في العالم، فهي تفتتح منظورًا جديدًا للحضارة العالميّة، ومن هنا فهي تستحقّ اهتمام جميع المعنيّين اليوم بقضايا الإنسان والحضارة.


فحركة الشعب الإيراني برغم اتّساعها وبرغم الاتّهامات التي تلصقها بها السلطة، تتمتّع بأصالة كبيرة سواء من حيث اتّجاهها أو من حيث مكوّناتها الشعبيّة، أو من حيث مبادئها وأهدافها، أو من حيث أخلاقيّاتها. فقوى اليمين غائبة عن انتفاضة الشعب الإيراني برغم وجود البترول والمصالح الكبرى التي يمثّلها، وكذلك الأمر بالنسبة لليسار الدولي، فهو كذلك غريب عن هذه الانتفاضة، برغم وجود أكثر من ألفي كيلومتر من الحدود المشتركة بين إيران والاتحاد السوفياتي، والحزب الشيوعي الإيراني كذلك ليس له دور كبير في هذه الانتفاضة مع أنّه من أقدم أحزاب المنطقة. إذًا، فإن كلًّا من قوى اليمين واليسار، في حدود ارتباطهم المباشر بالكتلتين الدوليّتين، ليس لهم أي تأثير على مجرى الأحداث.


والشعب الإيراني يعرف ذلك جيّدًا. فهو يعرف أن النظام الذي اتّهم الانتفاضة بالرجعيّة، يتجاوز كلّ الأنظمة الرجعيّة من حيث انتهاكه للحرّيّات وأساليبه البائدة في الحكم. فالشعب الإيراني يعلم أن النظام لا يتردّد في التضحية بمصالح الأمّة وفي توزيع ثرواتها على القوى العظمى، ليحظى برضاها. وعندما يقارن الشعب هذا السلوك مع أصالة المعارضة فإنّه لا يتورّع عن التضحية من أجل هذه الأخيرة. وهو برغم أنّه أعزل، فإنّه يدلي بشهادة الدم بشكل بطولي ويوجد قوّة ليس لأيّ كان القدرة على تحطيمها.


والثوريّون الإيرانيّون، لا يمثّلون شريحة اجتماعيّة محدّدة، فالطلبة والعمّال والمثقّفون ورجال الدين يساهمون جميعًا في الثورة. إنّها حركة شعب في تنوّع أجياله: في الأسواق، وفي المدارس، وفي المساجد، وفي المدن، وحتى في أصغر الدساكر.
وهذا ما يجعل النظام يتّهم اليمين واليسار، الشرق والغرب، العرب بمختلف أنظمتهم، وحتى الفلسطينيّين! وهو بذلك يعترف باتّساع الانتفاضة الشعبيّة وعمقها.


وحركة معارضة نظام الشاه، تستند اليوم إلى إعلام خاصّ بها. فتصريحات قادتها وخطبهم تبلغنا بواسطة أولئك الذين توجّه لهم هذه التصريحات والخطب في قلب الشعب الإيراني.


والحقّ أقول، إن هذه الحركة وازعها الإيمان، وأهدافها هي أهداف إنسانيّة مفتوحة وأخلاقيّة ثوريّة. وهذه الموجة التي تهبّ على إيران اليوم تذكّرنا بنداء الأنبياء، قبل أن يحيد عن خطّ هذا النداء أصحاب الملل والنحل والمستفيدون. وهي حركة حدّد زعيم المعارضة، الإمام الأكبر الخميني، أهدافها بوضوح في حديث أدلى به لصحيفة "لوموند" (تاريخ 6 أيار)، وهو عندما شهد بأصالة هذه الحركة، فقد أشار إلى أبعادها القوميّة والثقافيّة والتحرّريّة.


إن أحداث إيران، وما طرأ عليها من تحوّل دراماتيكي، تضع العالم أمام جملة من المعطيات الإنسانيّة.


- إن التجربة الإنسانيّة التي تخاض في إيران تستحقّ أن تدرس وأن يدافع عنها ضدّ الدعاية المغرضة، من قبل كلّ من يهتمّون بقضايا الإنسان والحضارة.

- إن نظام الشاه بعد أربعين سنة من التسلّط وبرغم الإمكانيّات الكبيرة المتاحة أمامه، قد فشل حتى عن أن يحمي نفسه من غضب الشعب، علمًا بأنّه يمتلك في الوقت الحالي أكبر مخزون للأسلحة في العالم الثالث.

- إن القيم الأخلاقيّة للإنسان المتحضّر باتت مهدّدة في إيران. وهي لا يمكنها أن تنقذ مهما كان الدعم العالمي الذي يحظى به النظام، طالما واصل هذا الأخير سفك الدماء، وخنق الحرّيّات، مع ادّعاء الدفاع عن "التقدّم" و"الديمقراطيّة".

- إن النظام الذي بات يعاني خضّات داخليّة، كان بالأمس يتحدّث عن الدفاع عن أمن الخليج والمحيط الهندي والصومال. ذلك أن شيئًا لم يعد يزعجه أكثر من الحركات الشعبيّة، من ذلك "حركة المحرومين اللبنانيّة" في لبنان التي وجدت لدى الشعب الإيراني صدًى كبيرًا.


إن المذابح التي تدمي إيران حاليًّا والتي يحاول النظام إخفاءها، تتوجّه بنداء للإنسان المعاصر ولحسّ المسؤوليّة عنده، وهذا الإنسان يتعيّن عليه أن يعطي عن هذه المذابح صورة حقيقيّة للعالم، ففي مثل هذه الخدمة يؤكّد رفضه لها.


نُشر في "لوموند" الفرنسيّة، عدد 23/8/1978

منشورات ذات صلة