لبنان: السيادة ليست حصانة فقط
مقال رأي: نبيل بو نصر الدين
هذا المقال ليس دفاعًا عن صندوق النقد الدولي كمؤسسة، ولا عن كل شروطه وسياساته. لكنه يأتي في سياق النقاش الذي أثاره مقال الصحفية سابين عويس في جريدة «النهار» بتاريخ ٢٠٢٦/٨/١٤ بعنوان: «صندوق النقد يسقط بالواتساب سيادة الدولة... فهل يطعن الرئيس قانون إصلاح المصارف؟».
ما يستحق التوقف عنده أولًا هو توقيت هذه الحملة وحدتها. فلماذا تصاعد الاعتراض على صندوق النقد تحديدًا مع إقرار قانون إصلاح القطاع المصرفي؟ الجواب، في جانب أساسي منه، لا يتعلق بالسيادة ولا بالواتساب، بل بمسألة أكثر حساسية: من يتحمل الخسائر؟
فإعادة هيكلة القطاع المصرفي لا تتعلق فقط ببقاء هذا المصرف أو ذاك، بل بتحديد المسؤوليات والحقوق والخسائر، وبالجهة التي ستتحمل في النهاية كلفة الفجوة المالية. ومن هنا تبرز مسألة تراتبية المطالبات باعتبارها إحدى أكثر نقاط الإصلاح حساسية، لأنها تحدد، عمليًا، من يتحمل الخسائر أولًا ومن يمكن أن تنتقل إليه لاحقًا.
في هذا السياق، يمكن فهم الحملة التحريضية المتصاعدة على صندوق النقد، والتي تمحورت حول النقاط التالية:
أولًا: اتهام الصندوق بخرق السيادة التشريعية اللبنانية، وبالمس بالسيادة الاقتصادية والسياسية للبنان، واستعادة لغة مرحلة الوصاية السورية، حين كانت التعليمات تصل إلى النواب والوزراء من عنجر أو من «البوريفاج». ومن هنا جاء تشبيه تعاطي ممثل صندوق النقد مع النواب بعملية تعديل للقانون عبر «الواتساب»، في محاولة لتصوير تدخل الصندوق في النقاش التشريعي وكأنه شكل جديد من أشكال الوصاية الخارجية بصورها السلبية والمهينة، التي ما زالت راسخة في مخيلة وذاكرة اللبنانيين.
لكن المقارنة هنا غير دقيقة. فالوصاية السياسية والعسكرية والأمنية شيء، وتأثير مؤسسة مالية دولية على دولة تطلب منها التمويل شيء آخر. صندوق النقد ليس سلطة سياسية على لبنان، ولا يملك حق تعيين أو التمديد لرئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة أو النواب، ولا يستطيع إصدار قانون في المجلس النيابي. تأثيره يأتي أساسًا من التمويل الذي يستطيع تقديمه ومن التوصيات و«الشروط» المرتبطة بهذا التمويل. يمكن للبنان أن يتفاوض معه، ويمكنه أن يعترض، ويمكنه أن يرفض، بل ويمكنه أن يقدم بديلًا. لكن إذا رفض التمويل وشروطه، فعليه أن يتحمل مسؤولية خياراته.
ثانيًا: محاولة المقال ربط تعديلات قانون إصلاح المصارف بحزب الله والاقتصاد النقدي، ثم تحويل أي تقاطع جزئي في المصالح إلى تطابق بين مشاريع متناقضة. وهذا لا يخدم النقاش الاقتصادي بقدر ما يحوله إلى تعبئة سياسية.
من الطبيعي مناقشة تأثير الاقتصاد النقدي على قدرة الدولة على الرقابة وعلى مكافحة غسل الأموال والتهرب الضريبي، كما أن علاقة حزب الله بالاقتصاد النقدي والعقوبات الدولية موضوع مشروع للنقاش. لكن تقاطع مصالح أطراف مختلفة في مسألة معينة لا يعني تطابق مشاريعها أو أهدافها كما حاول المقال تصويره.
ثالثًا: نقل المقال النقاش إلى المجال الطائفي، وهو الحصن الأقوى والملاذ الأخير للساسة اللبنانيين ومن يمثلهم، من خلال الإيحاء بأن إعادة هيكلة القطاع المصرفي أو دخول مصارف جديدة إلى السوق قد يؤدي إلى تغيير هوية مالكي المصارف وتوزعهم الطائفي، وكأن ملكية المصارف أصبحت جزءًا من الميثاق الوطني والمناصفة.
في عام ٢٠٢٢، توصل لبنان وصندوق النقد إلى اتفاق على مستوى الخبراء الموظفين، وضع إطارًا للإصلاحات المطلوبة تمهيدًا لبرنامج تمويلي بقيمة نحو ثلاثة مليارات دولار. وتمحورت هذه الإصلاحات حول إعادة هيكلة القطاع المصرفي، والاعتراف بالخسائر وتوزيعها وفق تراتبية واضحة، وإعادة رسملة المصارف القابلة للاستمرار، وحماية صغار المودعين، والحد من استخدام أموال الدولة لتغطية خسائر القطاع المصرفي، إلى جانب مكافحة الفساد وإصلاح القطاع العام ونظامي الضرائب والتقاعد ومؤسسة الكهرباء...
أليست هذه الإصلاحات مطالب اللبنانيين من سنوات، لا بل من عقود؟
أين المشكلة في مكافحة الفساد؟ وأين المشكلة في إخضاع المصارف لتدقيق حقيقي ومستقل، يوصل إلى أرقام دقيقة حول موجوداتها ومطلوباتها وأرباحها وتحويلاتها الخارجية، وإلى حماية صغار المودعين؟ أما الكهرباء والضرائب والتقاعد والإدارة العامة، فقطاعات بحاجة إلى ورشة إصلاحية كبيرة، بصرف النظر عن الصندوق؛ لأنها ضرورية لاستمرارية الدولة ولقيامها بوظائفها ولحماية اقتصادها ومواطنيها.
كما أن لبنان لم يتوجه إلى الصندوق طلبًا للمساعدة المالية والاستشارية إلا بعد أن فشلت الحكومات اللبنانية المتعاقبة في اتخاذ الخطوات اللازمة لمعالجة الأزمة في بداياتها. وبعد احتجاز الودائع بطريقة استنسابية، والتوقف عن سداد الديون السيادية، حيث ساهمت المراوغة السياسية والتردد في اتخاذ القرارات المناسبة في تسريع الانهيار وتعميقه.
لكن عندما يصبح السؤال الحقيقي هو من يتحمل مسؤولية سد الفجوة المالية، يصبح الحديث عن السيادة أسهل من الحديث عن المسؤوليات.
وهنا تحديدًا تكمن نقطة الخلاف الأساسية وحساسية توصيات الصندوق الإصلاحية. فتطبيق تراتبية المطالبات يعني، من حيث المبدأ، أن يتحمل المساهمون الخسائر أولًا، ثم تُبحث مسؤولية مختلف فئات الدائنين وفق مراتبها القانونية، مع إعطاء أولوية واضحة لحماية صغار المودعين وتقليص أي خسائر قد تلحق بهم إلى أدنى حد ممكن.
ذلك أن المساهم ليس مودعًا، فهو استثمر في المصرف مقابل احتمال الربح، وعليه أن يتحمل أيضًا احتمال الخسارة. ولذلك، لا يمكن لمن استفاد من السياسات النقدية والهندسات المالية وحقق أرباحًا في سنوات الازدهار أن يطالب بـ«خصخصة» الأرباح و«تأميم» الخسائر.
فالدولة اللبنانية ليست صندوق تعويضات مفتوحًا للمصارف ولمساهميها. واستخدام المال العام لتغطية خسائر القطاع المصرفي من دون تحديد المسؤوليات وتوزيع الخسائر وفق تراتبية واضحة يعني، في النهاية، تحميل المجتمع والمواطنين كلفة انهيار لم يكونوا هم من صنعه.
ومن هنا يمكن فهم جانب أساسي من الحملة على الصندوق.
فالمعركة ليست بين لبنان وصندوق النقد. إنها معركة داخلية حول من يتحمل كلفة الانهيار ومن يملك القدرة على نقلها إلى الآخرين.
هناك من يريد أن يجعل الخسائر مسؤولية المجتمع والدولة والمودعين، وأن يؤجل الإصلاحات الاقتصادية والإدارية التي تمس مصالح القوى المستفيدة من الوضع القائم، ويسخر كل إمكانياته لعرقلة أي توجه مخالف. وفي المقابل، هناك من يريد إعادة توزيع الخسائر وفق المسؤولية وتراتبية الحقوق، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وحماية المودعين، وتنفيذ الإصلاحات التي تسمح للاقتصاد اللبناني بالنهوض من جديد والعودة تدريجيًا إلى النظام المالي الدولي.
في النهاية، السيادة الحقيقية هي أن يمتلك اللبنانيون دولة تحمي أمنهم وثرواتهم وأملاكهم ومستقبلهم، وتفرض القانون على الجميع، وتحاسب من استفاد من النظام بطريقة غير شرعية، وتعيد بناء اقتصادها، من دون أن تحتاج في كل مرة إلى صندوق نقد دولي يفرض عليها التوصيات و«الشروط»، ويخبرها بما كان ينبغي عليها أن تفعله منذ البداية.