النبطية مدينة الأنوار والمقاومة*
بقلم: توفيق شومان
باحث سياسي لبناني، ومحاضر متخصص في الإعلام وسياسات الشرق الأوسط
يعيد العلامة سليمان ظاهر (1873ـ1960) ابن النبطية اسم مدينته إلى قوم عُرفوا تاريخيًّا بالأنباط، ففي "معجم مدن وقرى جبل عامل" أن الأنباط "جيل من الناس كانوا ينزلون في البطائح بين العراقين، وقامت لهم مملكة بترا في جنوبي شرق الأردن، والجمع أنباط، والنسبة إلى النبطية نبطي ونباطي مثل يمني ويماني"، ومع هذا الترجيح فإنه يُبقي مسافة بين الشك واليقين بقوله: "لم أقف على سبب هذه النسبة مع كثرة البحث والتنقيب".
ولا يجانب أنيس فريحة (1903ـ1993) في "أسماء المدن والقرى اللبنانية" ما أتى عليه سليمان ظاهر، فمعنى نبط "يفيد في العربية دفق الماء وخروجه ونبعه، والأنباط هم سكان شرق الأردن القدماء، وليس بمستبعد أن يكون هذان المكانان، نبط ونبطية، مستقرين لجماعة من الأنباط نزلوا فيهما".
والنبط عند ياقوت الحموي (1187ـ1229) في معجم البلدان "هو الماء المستخرج بالحفر"، وفي "لسان العرب" لابن منظور "النبط: الماء الذي ينبط من قعر البئر إذا حُفرت"، وبحسب "المجهول والمهمل من تاريخ الجنوب اللبناني" للمؤرخ يوسف الحوراني "تشتهر مدينة النبطية حتى اليوم كنسبة للأنباط في شرق الأردن، ولكن الأنباط أنفسهم نفترض أنهم ينتسبون للنبي شيث لأن كلمة نبطي لقب لشيث".
ـ سوق الوحدة: من أشهر معالم مدينة النبطية "سوق يوم الإثنين" من كل أسبوع، وتكاد هذه السوق تلخص سيرة مدينة النبطية الوحدوية منذ ما قبل استقلال لبنان إلى يومنا هذا، وكأنه أُريد لـ "سوق النبطية" أن يكون بطاقة تعريف عن أهل المدينة المترفعين عن كل نغص وضيق، والمبتعدين عن كل انعزال وانطواء.
لا يُعرف لـ "سوق النبطية" تاريخ محدد، رغم أن التواتر يعيده إلى عهد المماليك في القرن الثالث عشر الميلادي، ومنذ نشأتها كانت هذه السوق ملتقًى للآتين من مختلف المدن والقرى القريبة والبعيدة، من الجنوب وجبل لبنان، ومن البقاع الغربي وبعلبك، وفي أحيان كثيرة من أطراف دمشق ومن صفد وقرى الجليل في فلسطين قبل احتلالها، ولعل الصورة التي يقدمها شاكر بك الخوري (1846ـ1913) في "مجمع المسرات" الصادر عام 1908 ما يفي بإيجاز الصورة الوحدوية لمدينة النبطية وسوقها، إذ يقول:
"إن هذه السوق من أعظم المحلات التجارية في بلادنا، تجتمع إليها الناس كل نهار اثنين، ويجتمع فيها بين الخمسة آلاف وستة آلاف نسمة من شارٍ وبائع، ومن العجائب أنه ينعقد فيها نحو خمسين ألف عقد بين بيع وشراء، وكل ذلك بالقول فقط، ويتم بكلمتين اشتريتُ وبعتُ، ويندر جدًّا الاختلاف بينهم، والأغرب من ذلك أنهم من كل الأجناس، بين نصارى على اختلاف أجناسهم، ومتاولة ودروز وإسلام وغيرهم، ومع هذا الاجتماع، لحد الآن ما سُمع أن حصل بينهم اختلاف".
الشيخ أحمد عارف الزين (صاحب مجلة "العرفان" الشهيرة) يكتب في جريدة "جبل عامل" بتاريخ 21 آذار / مارس 1912 معرِّفًا بالنبطية وأهلها وسوقها، فيقول:
"إن جبل عامل قطر متسع، في داخليته ناحيتان، الأولى ناحية الشقيف ومن أعمالها زهاء أربعين قرية ونفوسها تربو على خمسة وعشرين ألفًا وقاعدتها قصبة النبطية التي تبلغ نفوسها سبعة آلاف، وهي بلد راقٍ يضرب في التجارة، بل هو البلد التجاري الوحيد في داخلية القطر، وله سوق عامة تُقام في يومي الأحد والإثنين من كل أسبوع يجتمع فيها ما ينيف عن عشرة آلاف نفس بين بائع ومبتاع، وهذه السوق يأتيها العديد الأكبر من بلاد نائية مختلفة الطبائع والأمزجة والأديان والمذاهب".
ـ عقل الوحدة: من أعلام مدينة النبطية ومن أعلام لبنان والعرب العلامة أحمد رضا (1873ـ1953)، وفي كتابه "مذكرات للتاريخ" تفيض الروح الوحدوية عربيا ولبنانيا وتلمع في نصوصه منظومة فكرية مقيمة على التآخي والتسامح والرابطة الوطنية، ومن جعبة هذا العلامة هذه الأحداث ـ العظات والموعظات، أن السلطات العثمانية سعت بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى إلى تحريض أهالي جبل عامل على أشقائهم في جبل لبنان وقف الشيخ أحمد رضا متصديًا ونابذًا لذلك، وفي روايته:
"في 17 أيلول / سبتمبر 1914، كان عبد اللطيف الأسعد ومحمد التامر وفضل الفضل في نزل لوكاندة المطران (مدينة صيدا) وكنتُ أنا نازلًا فيه أيضًا، وذات مساء جاءنا الأسعد يقول إن رضا باشا الحاكم العسكري في عاليه استدعانا، فقلتُ، كنتُ سمعتُ حسًّا خفيًّا بأن الحكومة تريد أن تُحرِّض زعماء جبل عامل على الهجوم على جبل لبنان ليوقدوا فتنة شعواء في البلاد، فقلتُ له لا يمكن لكم الغدر بأبناء وطنكم، ولا يوجد لدي لكم مخرج إلا بأمر واحد، وهو أن يعطيكم أمرًا مكتوبًا بالهجوم، وهو عندئذ لا يعطيكم لأنه لا يريد تحمل المسؤولية، وفي اليوم الثاني ذهب البكوات إلى عاليه، ولما طلبوا الأمر المكتوب، سكت ـ الحاكم العسكري التركي ـ وأذن لهم بالانصراف".
ذهب الأتراك وجاء الفرنسيون، وكأي غريب عن الديار، عملوا على زرع الشقاق والفراق، ويسرد الشيخ أحمد رضا هذه الواقعة:
"في 3 نيسان / أبريل 1920 جاء النبطية المسيو شاربنترييه حاكم صيدا العسكري، وجاءنا رئيس البلدية وطلب منا أن نزوره، وكنتُ أنا وزميلي الشيخ سليمان ظاهر وعزمنا على إجابة الطلب، وسأل المسيو شاربنترييه: لمن تدعون في مساجدكم؟
ـ الشيخ أحمد رضا والشيخ سليمان ظاهر: إننا ندعو لملك العرب الملك حسين.
ـ المسيو شاربنترييه: هل تدعون للملك فيصل ـ ابن الشريف الحسين؟
ـ الشيخ أحمد رضا والشيخ سليمان ظاهر: سندعو له وهو أهل لذلك.
ـ المسيو شاربنترييه: كيف تقولون برئاسة الملك الحسين الدينية، وهو سني وأنتم شيعة؟
ـ الشيخ أحمد رضا والشيخ سليمان ظاهر: لأنه قد حاز الشروط من حيث كونه قرشيًّا هاشميًّا، ولا يمنع من خلافته كونه سنيًّا".
من أقوال ابن مدينة النبطية الشيخ أحمد رضا: المسلمون والمسيحيون أبناء وطن واحد وماء واحد وهواء واحد.
وفي أبعاد ومجالات أخرى، كان للنبطية دور ريادي في تأسيس "المجمع العلمي العربي" في دمشق عام 1920 فذاك الثلاثي (ظاهر ـ رضا ـ جابر) من أعضائه المؤسسين، وهذا ما كانت عليه جمعية "المقاصد الإسلامية" فقد كان الثلاثي من مؤسسيها.
ـ أنوار النبطية: عند مدخل النبطية، يستقبل تمثال حسن كامل الصبَّاح الوافدين إليها، وهذا العالم المظلوم (1895ـ1935) الذي تعود إليه عشرات براءات الاختراع، والملقب بـ "إديسون العرب" كان حلمه أن ينير دنيا العرب مستفيدًا من الربع الخالي في السعودية وصحراء العراق وبادية الشام، كان نقيًّا صافيًا كأبناء النبطية وأبناء جبل عامل، عنه يقول محمد جابر آل صفا:
"أعظم ما طمح إليه حسن كامل الصبَّاح، ذلك الأمل في تسخير أشعة الشمس المحرقة في الصحراء العربية لإنارة المدن والقرى، وقد فاوضه الملك فيصل الأول ـ ملك العراق ـ بإنشاء معامل لتوليد القوة الكهربائية وتوزيعها على كل الأقطار العربية، وكاد ينتهي الأمر باستقدامه إلى العراق لولا وفاة الملك فيصل".
بعد وفاة ملك العراق فيصل الأول عام 1933 وبالاستناد إلى شهادة المفكر عجاج نويهض (1896ـ1982) في مجلة "العربي" الكويتية (شباط / فبراير 1981) أنه يذكر "جيدًا أن الأمير شكيب أرسلان كان يكاتب الملك فيصل بشأن مشروعات حسن كامل، ولكن وفاة فيصل أوقفت هذا المسعى الذي انتقل إلى الملك عبد العزيز آل سعود على يد الأمير شكيب، وربما لو رُوجعت أوراق الملك عبد العزيز لعُثر على مراسلات الأمير شكيب".
ذهب الفرنسيون وجاء المحتلون الإسرائيليون عام 1982، فكانت النبطية في طليعة بلدات ومدن الجنوب اللبناني بالتصدي للمحتلين، ومن أبرز أفعال المقاومة للغزاة كانت انتفاضة عاشوراء عام 1983، وعنها كتبت صحيفة "السفير" بعددها الصادر في 18 ـ 10 ـ 1983 "تجمع الروايات القادمة من الجنوب، أن مدينة النبطية كانت يوم أمس الأول ساحة مواجهة حقيقية مع جنود الاحتلال الإسرائيلي الذين منعوا المحتشدين من إقامة المسرحية التقليدية، عبر محاولتهم المرور بقافلة عسكرية في وسطهم، ففجروا الحقد الشعبي على الاحتلال وجعلوا ساحة النبطية أرضًا لمواجهة دموية".
وفي رواية الوكالة الوطنية للإعلام: "أطلقت القوات الإسرائيلية المتمركزة قرب الحسينية رشقات نارية، وقد أثار إطلاق النار المحتشدين، فهاجموا الدورية الإسرائيلية ورشقوها بالحجارة، عندها فرَّ الإسرائيليون من سياراتهم وأخذوا يطلقون النار على الجموع، فقامت الجموع بإضرام النار بالسيارات الإسرائيلية".
شكلت انتفاضة عاشوراء فاتحة اندحار العدو الإسرائيلي من الجنوب اللبناني، فانسحبت قوات الاحتلال من النبطية في الأول من نيسان 1985، لكن النبطانيين ما هانوا وما استكانوا بعد خروج المحتلين من مدينتهم، فتراصوا صفًّا مرصوصًا على طريق تحرير ما تبقى من مدن وبلدات شقيقة حتى كان النصر التاريخي في أيار من عام 2000.
لشهداء النبطية، لجرحاها، لأهلها فردًا فردًا، لشوارعها، لبيوتها، لساحة عاشورائها، لأسواقها، لحجارتها وعشبها وأشجارها وهواؤها ومائها، أقول: يا نبطية: أشهد أن لا حبيبة إلا أنتِ، وأشهد أن لا قمرًا إلا أنتِ، إلا أنتِ إلا أنتِ، وإنا لمنتصرون.
* نُشر المقال على حساباته الخاصة على منصات التواصل الاجتماعي.