هل حان وقت تخفيض كلفة السفر إلى لبنان؟

بقلم: نبيل بو نصر الدين
كاتب وباحث لبناني


من أخطر ما يعيق معالجة الأزمات اللبنانية غياب الأرقام الموثوقة ومراكز الأبحاث القادرة على تقديم المشورة العلمية لصنّاع القرار، فالدول تُدار بالمعرفة لا بالحدس والشعارات وردود الفعل. والمفارقة أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الذي أُنشئ ليكون عقل الدولة المُنتِج للدراسات والسياسات، تحوّل في نظر كثيرين إلى ما يشبه "المضافة"، فيما تغيب عنه الدراسات الاستراتيجية والأوراق المرجعية التي يُفترض أن تُبنى عليها القرارات الوطنية الكبرى.

لنأخذ مثالاً يختصر الغياب المزمن للمعرفة في صناعة القرار: سياسة النقل الجوي إلى لبنان، وأسعار بطاقات السفر التي تتحكم كل صيف بمصير موسم سياحي كامل يعوّل عليه الاقتصاد بأسره. وقد وجدت نفسي أعود إلى هذا السؤال بعد أن لمست صعوبة القدوم إلى لبنان لدى الكثير من المغتربين وعائلاتهم، سيما المقيمين منهم في أوروبا.

وهنا تجدر الإشارة إلى نقطة جوهرية: فشركة طيران الشرق الأوسط، التي تعود ملكية معظم أسهمها إلى مصرف لبنان، ليست شركة خاصة بالمعنى التقليدي، بل شركة تملك الدولة بصورة غير مباشرة الحصة المسيطرة فيها.

ومن هنا يبرز السؤال الذي أعتبره جوهر هذا النقاش:

هل المطلوب من شركة تملكها الدولة أن تعظّم أرباحها فقط، أم أن تعظّم أيضًا الأثر الاقتصادي الذي تحققه للاقتصاد الوطني؟

إن الدولة اللبنانية تعتبر، في كل خطاباتها وتصريحات مسؤوليها، أن السياحة تشكل أحد أهم أعمدة الاقتصاد الوطني، وهي تسعى إلى تسويق المواسم السياحية بشعارات مثل "بجنونك بحبك" - ٢٠٢١، و"أهلاً بهالطلة أهلاً" - ٢٠٢٢-٢٠٢٣، و"عيدها بالشتوية"، إلى ما هنالك من شعارات تفيض حبًا وتقديرًا واحترامًا للمغتربين. فلماذا لا تتعامل مع النقل الجوي بوصفه جزءًا من هذه السياسة التسويقية؟

ولماذا لا تطلب الحكومة من المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، مثلاً، أو من أي مركز أبحاث قادر ومستقل، إعداد دراسة علمية تجيب عن أسئلة واضحة ومحددة؟ أو أكثر من ذلك، لماذا لا يبادر هذا المجلس للقيام بمثل هذه الدراسات؟

ماذا لو خُفضت أسعار بطاقات السفر خلال بعض المواسم، وكيف ستتأثر بذلك أسعار شركات الطيران الأخرى العاملة على خط بيروت، والتي تستفيد أصلاً من الأسعار المرتفعة للشركة الوطنية؟ وماذا لو خُصصت برامج تشجيعية للعائلات المؤلفة من أربعة أفراد أو أكثر، وفُتح المجال أمام شركات طيران منخفضة الكلفة للعمل في مطار بيروت، ونأمل في مطار القليعات قريبًا؟
كم سيزداد عدد الوافدين، وكم سيرتفع إنفاقهم في الفنادق والمطاعم والأسواق والقطاعات الخدمية، ولدى أطباء الأسنان والتجميل وما إلى هنالك؟ وكم ستزداد إيرادات الدولة الضريبية، وكم فرصة عمل جديدة يمكن أن تتوفر، وكم ستزداد الاستثمارات في القطاعات كافة، لا سيما العقارية والخدماتية؟ وكيف سينعكس ذلك على ميزان المدفوعات، واستقرار سعر صرف العملة الوطنية، ومعدل نمو الناتج المحلي الإجمالي؟

قد تثبت الدراسة أن السياسة الحالية هي الأفضل، وعندها يكون النقاش قد حُسم بالأرقام لا بالانطباعات. وقد تثبت العكس، وأن تخفيض جزء محدود من أرباح شركة الطيران يؤدي إلى زيادة أكبر بكثير في الناتج المحلي، وفي حركة الأسواق، وفي دخول العملات الأجنبية، خصوصًا إذا ترافق ذلك مع زيادة عدد الرحلات في وقت الذروة الموسمية.

لكن المشكلة أننا لا نعرف... لأن أحدًا لم يكلّف نفسه عناء الدراسة.

وفي زمن أصبحت فيه حكومات العالم، ومنها الحكومة اللبنانية، تعتمد على المشاريع التجريبية قبل تعميم أي سياسة، وفي بلدٍ بات على سكة إتقان "فن المناطق التجريبية" حين يتعلق الأمر بالسيادة والحدود، أفلا يستحق الاقتصاد الوطني، ولو لمرة، تجربة مماثلة... في قطاع النقل، تُقاس نتائجها علميًا بعد موسم واحد؟

إن القضية هنا ليست مهاجمة شركة طيران الشرق الأوسط، أو الدفاع عنها، بل البحث عن أفضل سياسة تخدم الاقتصاد الوطني.

فالشركة حققت، بحسب الأرقام المتداولة، أرباحًا وصلت في العام ٢٠٢٣ إلى حوالي ١٥٠ مليون دولار، وهي أرباح مرتفعة جدًا مقارنة بحجم أسطولها وعدد ركابها. وهذا الأمر سيتوضح أكثر عند مقارنته مثلاً بالخطوط القطرية، أو الأردنية، أو اليونانية، أو غيرها، سواء من حيث عدد الطائرات التي تمتلكها كل شركة، أو عدد الركاب الذين تنقلهم، أو حجم الأرباح المحققة. وبالطبع قد يكون ذلك نتيجة كفاءة تشغيلية وإدارية، وقد يكون أيضًا نتيجة محدودية المنافسة وارتفاع الطلب، أو نتيجة العاملَين معًا.

لكن السؤال الأهم يبقى:
هل تستطيع الدولة أن تحقق منفعة اقتصادية أكبر إذا ضحّت بجزء محدود من أرباح شركة تملكها هي أساسًا - عبر مصرف لبنان - مقابل زيادة عدد السياح والمغتربين؟
فإذا كان متوسط إنفاق السائح أو المغترب يبلغ عدة آلاف من الدولارات، فإن أي زيادة في أعداد الوافدين ستنعكس على الفنادق، والمطاعم، والأسواق، وشركات النقل، والأطباء، والقطاع العقاري، والخزينة العامة، وفرص العمل.

منشورات ذات صلة