أسطورة التطبيع والازدهار

بقلم: د. قاسم غريب 

أستاذ جامعي وخبير نفطي واقتصادي


(كلمة ألقيت في فعالية إطلاق المبادرة الوطنية تحت عنوان "لبنانيون ضد التطبيع" في مسرح المدينة ببيروت.)

ألف سبب وسبب يكفي كل منها ليضع المتهافتين على التطبيع مع كيان الإبادة اليوم في قعر الذل والهوان والصغار والخيانة. فالتطبيع على جثث أطفال غزة يخرج المطبعين من عداد البشر. والتطبيع على أنقاض قرى جبل عامل هو إعلان للعداء للعامليين، أهل الأرض منذ خلق الله الأرض، حتى قيام الساعة أو فناء آخرهم...

فالعهد منذ يومه الأول لم يعرف إلا دورا واحدا: القضاء على المقاومة والتطبيع فوق أشلاء أبنائها وأهلها. انسوا الفساد المتأصل والنظام الطائفي المقيت الذي يحتمي به ويحميه. طبّعوا وجنات الله على الأرض بانتظاركم. مشاريع الكهرباء؟ السلاح والتطبيع! التنقيب عن النفط؟ السلاح والتطبيع! الصناعة؟ السلاح والتطبيع! و"الاستقرار" و"السلام" اللذان يحتاجهما الاقتصاد هما الكلمتان المفتاحيتان اللتان تروج لهما زمر التطبيع المنظمة والآلة الإعلامية الهائلة التي تعمل معها وخلفها.

نفس المعزوفة منذ خمسة عقود لبيع التطبيع لشعوب هذه البلاد: التطبيع هو طريق السلام، والسلام هو طريق الازدهار. فالأسواق ستفتح، والاستثمارات ستتدفق، والرخاء سيعم. واليوم، وبعد عشرات السنين، ما هو المشهد؟

في مصر، صادرات أقل، ونصيب دخل الفرد من الناتج المحلي الإجمالي أقل مقارنة بالمتوسط العالمي، والتضخم أسوأ، والبطالة على حالها. وما زاد الطين بلة، اعتماد مصر اليوم على الغاز الإسرائيلي بعدما فشلت في مسار الاستقلال الطاقوي.

وفي الأردن، لم يتحول التطبيع إلى مشروع تنمية، بل إلى اعتماد في قطاع الطاقة. فأصبح الغاز الإسرائيلي يساهم في إنتاج أكثر من 60% من الكهرباء. أما الوعود الاقتصادية، فقد بقيت حبرا على ورق. فنسبة الصادرات إلى الناتج المحلي الإجمالي لم تتغير إلا هامشيا، واتسعت فجوة دخل الفرد الأردني عن المتوسط العالمي، فيما بقيت البطالة عند مستوياتها المرتفعة.

أما المغرب، فقد قيل إن التطبيع سيفتح له أبواب الاستثمار والرخاء. توسعت الاستثمارات الإسرائيلية في قطاعات استراتيجية كالزراعة والطاقة، وأصبحت إسرائيل تصدر منتجات صناعية وتقنية عالية القيمة، في حين بقيت الصادرات المغربية تتركز في المواد الأولية والمنتجات منخفضة القيمة المضافة. ويكفي أن نرى آلاف المغاربة على استعداد لدفع أرواحهم في سبيل الهجرة لنعرف حجم الحقيقة أمام الأوهام.

في الدول الثلاث، لا نجد نهضة اقتصادية صنعتها اتفاقيات التطبيع. ما نجده هو اتساع النفوذ الاقتصادي الإسرائيلي، وتزايد الاعتماد في قطاعات استراتيجية، واختلال في الموازين التجارية، بينما بقيت شعوبنا تواجه البطالة، والمديونية، وتحديات التنمية.

في لبنان لن يؤدي التطبيع إلا للاعتماد على الغاز الإسرائيلي عقب قتل أي مشاريع للاستقلال الطاقوي... وإلى صفوف اللبنانيين على "الجدار" سيئ الذكر كأيد عاملة رخيصة تبني الاقتصاد الإسرائيلي.

الحضور الكريم،

المقاومة القوية المقتدرة وحدها التي كانت تقف سدا بيننا وبين التطبيع. اليوم، وإن جار علينا الزمان، إن كنا نعول على شيء للوقوف أمام مد التطبيع الكاسح فهو المقاومة. من هنا نفهم وحدة الهدف بين الإسرائيلي وسلطة العار: نزع سلاح المقاومة واقتلاع جذورها.

اليوم، يقع دعم المقاومة والذود عنها في قلب أي جهد حقيقي لمواجهة التطبيع. لا شيء يقف في وجه التطبيع مع سلطة العار هذه إذا استتب أمرها وأسقطت آخر قلاع المقاومة. لا شيء.

المجد للمقاومة وطوبى للشهداء.

منشورات ذات صلة