داخل عائلة الصحناوي: صعود أنطون
تحقيق "لوريان لو جور" حول انطون الصحناوي 1/5بدأت صحيفة "لوريان لو جور" في آب 2026 نشر سلسلة أجزاء (5) من تحقيق استقصائي صحافي بعنوان "أنطون صحناوي: ظل يخيّم فوق لبنان"، تسلط فيه الضوء على مسار رجل الأعمال اللبناني المطبّع مع العدو الإسرائيلي والداعم له أنطون الصحناوي، والذي يملك نفوذًا كبيرًا داخل الدولة اللبنانية.
الجزء الأوّل: داخل عائلة الصحناوي: صعود أنطون (1/5)
كارولين حايك
إنه اسم يعرفه كل لبناني، لكنه اسم يتردد كثيرون في النطق به بصوت مرتفع عندما يُسألون عنه، حتى إنهم يصرّون، في معظم الأحيان، على اتخاذ احتياطات خاصة وعدم الكشف عن هوياتهم. مصرفي، ورئيس مجلس الإدارة والمدير العام لـSGBL، وفاعل في العمل الخيري، وإمبراطور إعلامي، و"صانع ملوك" في السياسة بقدر ما هو صانع للصفقات؛ أصبح أنطون الصحناوي أحد أكثر الشخصيات نفوذًا في لبنان.
من إدارة الأزمة المصرفية إلى المفاوضات مع إسرائيل، يكاد اسمه يحضر كلما تعمق المرء قليلًا في أي ملف. فهو يعمل من خلف الكواليس، يحرك الخيوط، ويفرض روايته وأساليبه على من يقف في طريقه، ما يجعله يثير الإعجاب والخشية في آن واحد.
كيف نجح في التمركز في قلب هذا العدد الكبير من القضايا المفصلية التي تحدد مصير البلاد، فيما لم يعد يطأ الأراضي اللبنانية إلا نادرًا؟ ولماذا لا يُعرف الكثير عنه، وعن شبكات نفوذه وطموحاته؟
هذا هو اللغز الذي سعينا إلى كشفه في هذه السلسلة المؤلفة من خمسة أجزاء، والتي تستقصي تنامي نفوذ رجل بات ظله يمسك بجزء من مصير لبنان. وقد تواصلت لوريان لو جور مع أنطون الصحناوي ووالده نبيل الصحناوي لإجراء مقابلة، إلا أنهما رفضا التعليق، كما تقدما بطلب إلى قاضي الأمور المستعجلة في بيروت لمنع نشر هذا التحقيق، غير أن المحكمة ردّت طلبهما.
تنشر لوريان لو جور اليوم الحلقة الأولى من هذه السلسلة بعنوان:
«أنطون الصحناوي... ظلٌّ يخيّم على لبنان»
كان صباح 27 شباط/فبراير 2010 قد بدأ لتوه عندما أقلعت طائرة خاصة من مدرج مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت. وكان على متنها أنطون الصحناوي، الذي غادر البلاد بعد ساعات قليلة فقط من حادثة إطلاق نار شهدها أحد الملاهي الليلية الفاخرة على طريق دمشق. وفي الوقت الذي كانت فيه مذكرة توقيف بحقه على وشك أن تصدر، كانت الطائرة قد أقلعت بالفعل. وقبل ساعات قليلة من ذلك، كان الصحناوي، الذي كان يشغل آنذاك منصب المدير العام لـسوسيتيه جنرال بنك لبنان (SGBL)، قد وصل إلى ملهى Maison Blanche، وهو نادٍ خاص يرتاده أفراد النخبة البيروتية، حيث كانت المشروبات الكحولية تتدفق بلا انقطاع. وكان بين الحاضرين مازن زين، أحد أبرز وجوه الحياة الليلية في بيروت وصاحب عدد من المؤسسات الترفيهية، يجلس برفقة أصدقائه. وكانت العداوة بين الرجلين قديمة، غذّتها خلافات مالية وقضائية تعود إلى الفترة التي عملا فيها معًا.
اتصل الصحناوي بأحد المساهمين في النادي وطالبه بطرد زين من المكان. لكن طلبه قوبل بالرفض. وكان ذلك رفضًا غير مألوف، إذ إن أحدًا لا يقول "لا" لأنطون الصحناوي. واستمرت الموسيقى في العزف، فيما كانت التوترات تتصاعد في الخفاء. وبعد أقل من ساعة، أشهر الحراس الشخصيون للصحناوي أسلحتهم. واندلع إطلاق النار داخل الملهى المكتظ بالرواد. وأُصيب مازن زين بجروح بالغة.
وعندما عاد الصحناوي إلى لبنان بعد 43 يومًا، كان كلٌّ من مذكرة التوقيف والتحقيق قد سقطا بانقضاء المهلة القانونية، ليحصل فورًا على قرار بحفظ القضية من قبل المدعي العام التمييزي آنذاك، غسان عويدات.
كان يمكن للقضية أن تنتهي عند هذا الحد، لكن إطلاق النار وقع في قلب العاصمة بيروت، والشخص الذي وُجهت إليه أصابع الاتهام لم يكن زعيمًا في عالم الجريمة المنظمة، بل رئيسًا يبدو محترمًا لأحد أكبر المصارف اللبنانية، ووريثًا لإحدى أكثر العائلات اللبنانية نفوذًا.
ولهذا، لم يكن بالإمكان دفن القضية. فقد انتشرت سريعًا وأشعلت النقاش العام، حتى تحولت إلى قضية دولة.
وسارع السياسيون، بعدما لمسوا اهتمام الرأي العام، إلى استثمار القضية. وبعد أسابيع قليلة، قال ميشال عون، الذي سيصبح رئيسًا للجمهورية عام 2016، عبر شاشة OTV التابعة لتياره: «إنها شيكاغو عام 1935.» ثم أضاف:«أنا أعرف آل الصحناوي، وهم عائلة محبوبة ومحترمة... وما حصل لا يشبه أخلاق هذه العائلة... لكننا نعيش عصر المافيات.»
وهكذا، خرجت كلمة «المافيا» إلى العلن، وسرعان ما التصقت باسم الصحناوي. ففي أوساط المجتمع البيروتي، لم يكن ميشال عون الوحيد الذي كان «يعرف آل الصحناوي».
"الأخ أنطون"
قبل سنوات طويلة من تحوّل الوريث المثير للجدل إلى مادة تتصدر أخبار المحاكم، كانت إنجازات أسلافه قد ملأت صفحات الاقتصاد والمجتمع وحتى الرياضة في لبنان. كما كانت أخبار العائلة مادة دائمة للأحاديث في مجالس الأشرفية، حيث كان المدعوون يتناقلون تفاصيل قصة عائلية لا تقل تشويقًا عن المسلسلات الشهيرة. وكما في عائلتي إيوينغ وكارينغتون في الدراما الأميركية، كان الجميع يعلم أن النجاح الذي حققته العائلة لم يخلُ من أسرار محفوظة بعناية، وصراعات مريرة، وخيانات داخلية.
إلا أن حادثة Maison Blanche شكّلت قطيعة واضحة مع الفصول السابقة من تاريخ العائلة.
مؤسس الإمبراطورية
تبدأ الحكاية مع أنطون الصحناوي، كبير العائلة وعمّ والد رئيس مجلس إدارة SGBL الحالي. وُلد عام 1899 في عائلة كاثوليكية ملكية من ريف دمشق، وانتقل إلى بيروت خلال فترة الانتداب الفرنسي، ثم التحق به أشقاؤه لاحقًا. وحصل على الجنسية اللبنانية في خمسينيات القرن الماضي. كان رجل أعمال بارع درس في المعهد العالي للدراسات المالية والتجارية، ووضع الأسس الأولى للإمبراطورية الاقتصادية للعائلة.
أسس البنك البلجيكي اللبناني (Banque Belgo-Libanaise) عام 1953، ودخل قطاع الطيران من خلال إنشاء شركة Air Liban التي اندمجت لاحقًا مع شركة طيران الشرق الأوسط (MEA)، كما استثمر في صناعات الإسمنت والمواد الكيميائية.
ولم يقتصر حضوره على الاقتصاد، بل لعب أيضًا دورًا بارزًا في الحياة الاجتماعية في بيروت، وكان من المؤسسين المشاركين لـ نادي الطيران في بيروت (Beirut Aero Club).
رجل أعمال... وسياسي
كان ريمون إده، مؤسس الكتلة الوطنية، يناديه بـ "الأخ أنطون". جمع بين الحس التجاري الحاد — الذي يلامس السياسة في لبنان في كثير من الأحيان — وبين حب الظهور والاستعراض. وفي عام 1960، خاض الانتخابات النيابية. في بيروت، كانت صورته المعلقة في منطقة الجميزة الأكبر حجمًا بين جميع صور المرشحين، بينما جابت 65 سيارة أجرة شوارع العاصمة وهي تحمل صورته إلى جانب شعار انتخابي يقول: "انتخبوا أنطون الصحناوي، لأن أنطون رمز للنزاهة والإخلاص والاستقامة."
سخر خصومه من أصوله السورية، لكن شبكة علاقاته، ونفوذه، وثروته، كانت كافية لتجاوز تلك الانتقادات. فاز بمقعد نيابي، ثم عُيّن عام 1964 وزيرًا للبريد والبرق والهاتف في عهد الرئيس شارل حلو. وبعد خمس سنوات، تحوّل البنك البلجيكي اللبناني إلى "سوسيتيه جنرال اللبنانية الأوروبية"، واضعًا بذلك حجر الأساس للإرث الذي سيتركه لاحقًا، ليس لأولاده، بل لأبناء شقيقه الأصغر نقولا.
علاقة أثارت الكثير من الأحاديث
على خلاف أنطون، كان شقيقه نقولا الصحناوي متزوجًا من مارسيل إلياس، وأنجب منها ثلاثة أولاد: موريس، نبيل، وأمل. وقد قرر أنطون أن يجعل أبناء أخيه ورثته، وهو قرار ضمن استمرار الإمبراطورية العائلية، لكنه في الوقت نفسه أثار كثيرًا من الشائعات في المجتمع البيروتي. "كانت مارسيل الشريكة العاطفية لأنطون، شقيق زوجها"، قال أحد أقارب العائلة. وأضاف: "كان ذلك سرًا يعرفه الجميع. فقد كانا يعيشان في منزلين متجاورين". لم يكن الاثنان يوليان أهمية كبيرة للمظاهر.
وفي 22 آب/أغسطس 1973، ذكرت الصفحة الاجتماعية في لوريان لو جور أنه شوهد برفقة مارسيل في أحد حانات العاصمة.
"سيكون لديهما سكرتيرة"
قال أحد أصدقاء العائلة، الذي كان يدرس مع موريس ونبيل: "كان الولدان، موريس ونبيل، مدللين إلى أقصى حد. وفي أحد الأيام، استدعى مدير المدرسة والدهما بسبب تدني علاماتهما، فأجابه: «لا يهم. عندما يكبران، سيكون لكل منهما سكرتيرة»."
شقيقان... وشخصيتان على طرفي نقيض
لم يكن الشقيقان الوريثان، موريس ونبيل، ليكونا أكثر اختلافًا. موريس الصحناوي: كان سائق راليات بارعًا، وزير نساء لا يُصلح حاله، وشغوفًا بموسيقى الروك والرسم والفنون السمعية البصرية. وكان أولاده، المولعون بشخصيات ديزني، يلقبونه بـ"باغيرا". ووصفته مجلة Le Commerce du Levant في تحقيق نُشر في نيسان/أبريل 2000 بأنه: "كان أقرب إلى أوساط المثقفين اليساريين، ولم ينتمِ يومًا إلى أي تيار ينتهي اسمه بـ(ـية)."كان رجلًا أنيقًا عصاميًا، يندفع إلى الأمام من دون تردد، ويتمتع بقدرة استثنائية على استقطاب الأنظار.
نبيل الصحناوي: أما شقيقه الأصغر نبيل، الذي كان يُلقب في شبابه بـ"أبولو"، فكان يتجنب حياة المجتمع المخملي، مفضلًا الإحاطة نفسه بدائرة ضيقة من الأصدقاء الأوفياء. وكان يشاركهم شغفه بالتاريخ والدين والفنون، إلى جانب ثقافته الموسوعية وآرائه الراسخة، التي كان يعبر عنها ببلاغة رجل علّم نفسه بنفسه.
"كان سلامة قد سئم من رؤية ذلك الـ«كاوبوي» يدخل إليه والمسبحة في يده". يعيش نبيل الصحناوي، وهو مليونير، حياة أقرب إلى حياة الناسك، ويصلي مرات عدة في اليوم. ويقول أحد معارفه القدامى: "كان مفتونًا دائمًا بالفرسان، والحروب الصليبية، والحروب المقدسة، والعهد القديم."
وهو إرث ثقافي، وربما عقائدي أيضًا، انتقل إلى ابنه أنطون الصحناوي، الذي لم يُفوّت، طوال مسيرته، فرصة لإظهار إيمانه أمام جمهور أوسع.
وقال أحد المصرفيين، طالبًا عدم الكشف عن هويته: "كان رياض سلامة [الحاكم النافذ لمصرف لبنان على مدى ثلاثين عامًا] يمزح آنذاك بأنه سئم من رؤية ذلك الـ«كاوبوي» يدخل إلى مكتبه والمسبحة لا تفارق يده". هل كانت تلك سمة رجل يعتقد أنه مختار بالعناية الإلهية؟ في العام الماضي، نجا أنطون الصحناوي، بحسب مقربين منه، من الموت بعد إصابته بمرض خطير أثناء تلقيه العلاج في الولايات المتحدة. وقال أحد المقربين منه: "منذ ذلك الحين، أصبح مقتنعًا بأن تدخلًا إلهيًا هو الذي أنقذ حياته."
من "أبولو" إلى رجالٍ مسلحين
لكن لقب "أبولو" الذي اشتهر به والده مع مرور الوقت اكتسب معنى مختلفًا تمامًا، بعيدًا عن إله الجمال والانسجام في الأساطير اليونانية الذي استُلهم منه اللقب. ففي عام 2025، وخلال اجتماع لاتحاد المالكين في منتجع مزار - كفردبيان، حيث يملك نبيل الصحناوي فيلا فخمة، دافع بعنف عن نفسه في مواجهة سكان اتهموه بمخالفة النظام الداخلي للمجمع، بينما كان يرافقه رجال مسلحون.
وقال أحد سكان البلدة: "كان الجميع في المخفر يتحدثون عن الحادثة. أما الأصغر سنًا، فكانوا يتساءلون: من يكون هذا «أبولو»؟"
كان أنطون الصحناوي الكبير شاهدًا على زواج موريس الأول من منى بطرس في تشرين الأول/أكتوبر 1966.
أما نبيل، فتزوج من مي شهاب عشية عيد الميلاد عام 1971، قبل أن يغادر الزوجان لقضاء شهر العسل في سان موريتز. وكانت مي شهاب امرأة لافتة الجمال، تنتمي إلى إحدى أعرق العائلات الأرستقراطية في لبنان، فهي الحفيدة الكبرى للأمير بشير الشهابي، الذي اعتنق المارونية بعدما كان مسلمًا سنيًا، وحكم جبل لبنان حتى منتصف القرن التاسع عشر.
وُلد أنطون الصحناوي في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 1972، ولحقت به شقيقته ياسمينا بعد عامين.
وقال أحد أصدقاء العائلة: "كان شديد التعلق بوالدته، وقد ترك رحيلها جرحًا عميقًا في نفسه".
"أعمل مع عائلتي... لا داخلها"
قبل سنوات، وتحديدًا في عام 1983، بينما كانت الحرب لا تزال تعصف بلبنان، شهد نبيل اختيار شقيقه موريس من قبل كبير العائلة ليتولى قيادة الإمبراطورية. وعندما بلغ الأربعين من عمره، تسلم موريس إدارة مجموعة الصحناوي، المركز العصبي لإمبراطورية اقتصادية امتدت استثماراتها من الصناعة وتكنولوجيا المعلومات إلى العقارات والإنشاءات، إضافة إلى امتلاكها 50 في المئة من أسهم SGBL. أما نبيل، فتولى رئاسة شركة الإسمنت. وبعد سنوات قليلة، توفي مؤسس الإمبراطورية العائلية، عام 1989، وهو مقتنع بأنه ضمن انتقالًا سلسًا للقيادة. ورغم الحرب، ارتفع SGBL خلال عشر سنوات فقط من المرتبة الثالثة والعشرين إلى المرتبة الثالثة بين المصارف اللبنانية. واعتمد وريثه الجديد سياسة توسع طموحة، بالتوازي مع تبني رسالة اجتماعية وثقافية هدفت إلى رعاية جيل جديد من المواهب. وقال أحد المقربين من العائلة:
"كان موريس يتمتع بالكاريزما والحضور. كان راعيًا للفنون وأضفى روحًا على البنك. أما نبيل، فظل في عالم الأعمال في ظل شقيقه."
لكنه استدرك قائلًا إن الشقيقين بقيا "على وفاق تام"، رغم اختلاف مواقفهما السياسية، ورغم شخصية موريس الذي لم يكن يميل إلى تقاسم القيادة، سواء في شركاته أو حتى في سياراته الرياضية.
وفي مقابلة مع مجلة Le Commerce du Levant عام 2000، قال موريس: "أنا أعمل مع عائلتي، لكنني لا أعمل داخلها". كانت تلك قاعدة راسخة، لكن عودة ابن أخيه أنطون الصحناوي من الولايات المتحدة كانت كفيلة بنسفها.
صافح موريس الصحناوي، رئيس مجلس إدارة سوسيتيه جنرال اللبنانية الأوروبية السفير الفرنسي في لبنان دانيال جوانو، بعد تقليده وسام فارس جوقة الشرف، في كانون الأول/ديسمبر 1998.
نشأ أنطون الصحناوي الابن وهو يحمل قناعة بأنه يتفوق على جميع من حوله. ولم يكن يُنظر إليه بوصفه طالبًا متفوقًا. فقد وصفه أحد معارفه بأنه كان طفلًا "مدللًا، متعجرفًا وصاخبًا، لكنه لم يكن يُعد استثنائيًا على نحو خاص."
في المقابل، استعاد شخص آخر الطموح اللامحدود الذي كان يميزه منذ سنوات المراهقة، قائلًا: "كان يتمتع بثقة كبيرة بنفسه، سواء في ملاحقة الفتيات أو في إعلانه الدائم أنه، عندما يتولى قيادة العائلة، سيدخل بها عصرًا ذهبيًا جديدًا."
بعد دراسته في مدرسة سيدة الجمهور (Notre-Dame de Jamhour)، أرسله والده نبيل إلى الولايات المتحدة عام 1991.
وفي عام 1994، بدأ تدريبًا في سوسيتيه جنرال في نيويورك، قبل أن ينال، في أيار/مايو 1995، إجازة في الاقتصاد من جامعة جنوب كاليفورنيا. وقبل ذلك بثلاث سنوات، كانت المجموعة المصرفية الفرنسية قد استحوذت على الحصة البلجيكية في المصرف اللبناني.
جاءت الفرصة عام 2005، عندما خفّضت سوسيتيه جنرال الفرنسية حصتها في SGBL من 50 في المئة إلى 19 في المئة، فاتحةً الباب أمام إعادة رسم موازين القوى داخل المصرف. وسعيًا إلى تأمين أكثرية جديدة، تقدّم موريس إلى مجموعة قصار، المساهم الرئيسي في فرنسبنك، باقتراح جريء.
كانت الصفقة المعقدة تقوم على شقين: الأول، عملية مبادلة أسهم تتيح لمجموعة قصار الاستحواذ، عبر أحد مصارفها، BLC، على حصة في SGBL، مقابل حصول موريس على 30 في المئة من أسهم BLC.
أما الشق الثاني، فكان اتفاق بيع وشراء اقترح بموجبه على مجموعة المساهمين المتحالفين مع شقيقه نبيل، إما شراء حصته، أو بيعهم حصصهم له، بالسعر نفسه، بما في ذلك الحصة التي كانت تملكها ابنة عمهما ليلى زيادة.
لكن نبيل رفض الاقتراح بالكامل.
وقال موريس لاحقًا: "كان شقيقي يريد منصبي منذ وقت طويل... ولكن من أجل ابنه".
وبدعم من الموقف الذي اتخذته المجموعة المصرفية الفرنسية في معركة السيطرة الهادئة هذه، نجح نبيل في إحباط دخول مجموعة قصار إلى رأسمال SGBL، قبل أن يكشف عن ورقته الرابحة: عائلة كامل، التي بنت ثروتها في أفريقيا، والتي كان من بين أفرادها بيار كامل، زوج ابنته ياسمينا. وقال أحد معارف العائلة: "لولا ثروة آل كامل، لكان من الصعب على نبيل وأنطون تحقيق ما أراداه".
وبفضل هذا التحالف، تمكن نبيل الصحناوي وآل كامل من السيطرة على 81 في المئة من رأسمال المصرف، ما أجبر موريس وحلفاءه على التخلي عن الأقلية المعطِّلة التي كانوا يملكونها، عبر بيع حصتهم إلى طرف ثالث. وبعد أشهر قليلة، عاد موريس ليترأس مصرفًا آخر هو BLC Bank (المعروف سابقًا باسم Banque Libanaise pour le Commerce). ويكرر موريس: "كان شقيقي يريد منصبي منذ وقت طويل... ولكن من أجل ابنه". لكن هذه لم تكن سوى بداية القصة.
ففي تلك المرحلة، كان القطاع المصرفي اللبناني على وشك مواجهة تداعيات الأزمة المالية العالمية. أما الخلاف العائلي، فلم يكن في نهاية المطاف سوى نزاع بين ورثة، كما يحدث في كثير من العائلات. وكان أنطون الصحناوي لا يزال آنذاك مجرد مصرفي شاب يملك طموحات بلا حدود، ولاعبًا صاعدًا في الدرجة الأولى داخل "الكازينو الكبير" الذي تمثله الحياة السياسية والاقتصادية في لبنان. نشأ الشاب في ظل هذه السلالة التي بدت عصية على الاهتزاز، لكنه لم يكن مستعدًا لانتظار دوره، حتى لو اقتضى الأمر الإخلال بالنظام الذي رسخته العائلة بعناية.
ومع ذلك، وما إن عاد إلى لبنان حتى أُسندت إليه، عام 2002، إدارة شركة فيدوس (Fidus) للوساطة المالية، التي أسسها رجل المال نبيل عو، أحد المقربين من آل الصحناوي ومن رياض سلامة، وكانت SGBL قد استحوذت عليها قبل سنوات. لكن أنطون لم يرضَ بهذا الموقع المريح. فلم يكن ينوي الاكتفاء بجني الأرباح وملاحقة النساء، بل كان مصممًا على إثبات جدارته، حتى لو كان ذلك على حساب الرجل الثاني في الشركة، مازن زين، أحد المقربين من نبيل عون، والذي اتهمه باتباع أسلوب إدارة متهور، كما وجه إليه اتهامات بارتكاب مخالفات مالية.
وعندما طُلب من موريس التدخل، وقف إلى جانب صديقه، لا إلى جانب ابن شقيقه، الأمر الذي أثار غضب أنطون ووالده نبيل. لم يكن الشرخ بين الشقيقين قد أصبح نهائيًا بعد، لكن العلاقة الودية بينهما باتت، إلى حد كبير، لا تتجاوز صور العائلة القديمة في ألبومات الذكريات.
استقبل موريس الصحناوي صحيفة لوريان لو جورفي فيلّاه الواسعة المطلة على تلال بيروت. كان الشقيقان قد انقطعا عن الحديث منذ سنوات. وفي البداية بدا متحفظًا حيال الموضوع، لكنه ما لبث أن انفتح تدريجيًا، كاشفًا عن الألم الذي ظل يرافقه بسبب القطيعة العائلية، والتي لم ينجح يومًا في تجاوزها. وقال: "لسنوات، كان شقيقي يحول اجتماعات مجلس الإدارة إلى جحيم بالنسبة إلي".
وأضاف أنه عندما جاءه أنطون، مفعمًا بالثقة بالنفس، مطالبًا بمنصب يوازي طموحاته داخل الشركة الأم، جاءه رده حاسمًا:
"قلت له: اذهب إلى قسم الموارد البشرية".
وبالنسبة إلى أنطون، كانت تلك الإهانة الأخيرة، واللحظة التي دفعته إلى التفكير بما كان يبدو مستحيلًا: تغيير موازين السلطة داخل العائلة. ولم يبقَ أمامه سوى انتظار الفرصة المناسبة.
ففي ذلك الوقت، كان القطاع المالي اللبناني على وشك مواجهة العاصفة المالية العالمية. أما الخلاف العائلي، فلم يكن في نهاية المطاف سوى نزاع بين ورثة، كما يحدث في كثير من العائلات. وكان أنطون الصحناوي لا يزال مجرد مصرفي شاب بطموحات لا حدود لها، ولاعبًا صاعدًا في الدرجة الأولى داخل الكازينو اللبناني الكبير.