حكومة القانون التي لا تطبّق القانون.. بين وعود الإصلاح والتنصّل من التنفيذ
بقلم: نبيل بو نصر الدين
أستاذ جامعي
لا تُقاس الحكومات بكثرة ما تقول، بل بقدرتها على تحويل الوعد إلى فعل. وفي بلد أنهكته سنوات من الانهيار، يبقى السؤال الأساسي: هل ما زالت الدولة قادرة على التحوّل إلى دولة قانون ومؤسسات، أم أنّ الإصلاح لا يزال مؤجّلًا تحت وطأة الحسابات السياسية والأزمات المتلاحقة؟ وهل ما زالت الحكومة قادرة على إعادة ثقة المواطنين بدولتهم واقتصادهم ومستقبلهم؟
بعد أكثر من سنة على تسلّم الحكومة مهامها، ما زال اللبنانيون يتأرجحون بين تفاؤل كان في البداية كبيرًا، وخيبة تتنامى كلما اتّسعت الفجوة بين البيان الوزاري والواقع. كانوا ينتظرون دولة قانون ومؤسسات تعيد شيئًا من هيبة الدولة في نظر مواطنيها، وتردّ إلى الناس بعض حقوقهم المعنوية والمادية التي استُنزفت عبر سنوات طويلة من الفوضى القانونية والإدارية والاقتصادية والمعيشية.
لم يكن المطلوب إنجازات أو إجراءات شكلية تُلتقط لها الصور، بل إنجازات نوعية تعيد بناء الثقة بالدولة وبالاقتصاد. والإنجاز النوعي هنا ليس شعارًا، بل معيار واضح يمكن قياسه بكلمة واحدة هي: تطبيق القوانين. فاللبناني لا يطلب المستحيل؛ بل يطلب دولة تطبّق قوانينها بعدالة، وتشعره بأنّه مواطن له حقوق وعليه واجبات، وأنّ الجميع خاضعون لسقف القانون بلا امتيازات ولا استثناءات.
لكنّ اختبار الدولة لا يقف عند حدود الإدارة والاقتصاد، بل يمتدّ إلى جوهر وجودها ووظيفتها الأساسية، خاصة في زمن الأزمات الكبرى.
فالدولة التي تُخفق في ترسيخ معايير الكفاءة والشفافية، وتعجز عن ضبط مؤسساتها وتنظيم عملها، تفقد تدريجيًا قدرتها على الإمساك بقراراتها، بما فيها القرارات السيادية بامتياز. وحين تضعف الدولة وتتآكل الثقة بمؤسساتها، يتشظّى مركز القرار فيها، وتبرز قوى موازية طائفية ومذهبية وسياسية، تتصرّف كأنّها تمتلك حقّ تحديد خيارات الحكم خارج منطق الدولة الواحدة وثوابتها.
عندها تتحوّل الدولة من مرجعية جامعة وحيدة للقرار إلى ساحة تتوزّعها وقائع النفوذ وتتقاسمها مراكز متعددة، مما يُضعف قدرتها على إدارة استحقاقاتها الداخلية والخارجية على حدّ سواء، ويجعل موقفها هشًّا في مواجهة التحديات المتعددة.
من هنا، لا يعود الإصلاح خيارًا إداريًا أو اقتصاديًا قابلًا للتأجيل، بل يغدو شرطًا سياديًا لا مناص منه لاستعادة الدولة وظيفتها الجوهرية، وتمكينها من ممارسة دورها كاملًا في الداخل والخارج معًا.
ومنذ تكليف الرئيس نواف سلام رئاسة الحكومة، عُلّقت آمال كبيرة عليه، استنادًا إلى سيرته الذاتية والوطنية، وخبرته في العمل الدبلوماسي والقضائي الدولي، وما يُفترض أن تمنحه تلك الخبرة من قدرة على إدارة الملفات المعقّدة وصياغة الأولويات والتفاوض باسم الدولة وفق منطق المؤسسات، فوق الحسابات الضيقة والطموحات الشخصية. وكان الرهان أن تأتي هذه الحكومة لتفتح مسارًا مختلفًا: مسار قرارات إصلاحية صعبة لكنها ضرورية، تترجم الوعد السياسي إلى عمل تنفيذي ملموس، وتبدأ بورشة إعادة ترتيب الدولة من الداخل.
غير أنّ التجربة تُظهر أنّ المعرفة وحدها لا تصنع قرارًا، وأنّ حسن النوايا لا يصمد طويلًا إذا لم يتحوّل إلى حسم إداري وتنفيذي. فإدارة معركة الإنقاذ لا تحتمل التردد، ولا تقوم على رهان الوقت، ولا على قرارات متفرقة تفتقر إلى إطار ناظم؛ لأنّ الانهيار لا ينتظر اكتمال الدراسات، ولا يرحم دولة تكتفي بتشخيص أزماتها فيما الوقائع تتسارع نحو الأسوأ.
وإذا أردنا تقييم الحكومة بموضوعية، فلا بدّ من الإشارة إلى ما تحقق وما لم يتحقق.
من الإنجازات التي تُحتسب للحكومة ما يلي:
أولًا: إقرار حزمة قوانين مرتبطة بمسار الإصلاح المالي ومتطلبات التفاوض مع صندوق النقد الدولي، وفي مقدّمتها تعديل قانون السرية المصرفية بما يوسّع نطاق رفعها أمام الجهات المخوّلة، وإقرار قانون إصلاح المصارف وإعادة هيكلتها، مع التعديلات التشريعية التي اشترطها الصندوق. في المقابل، لا يزال مشروع قانون الانتظام المالي، المعروف بقانون «الفجوة المالية»، يراوح في دائرة الانتظار والجدل.
وهذه الخطوات مهمّة من حيث المبدأ، غير أنّ قيمتها لا تُقاس بعناوينها، بل بقدرتها على إنتاج مسار متكامل؛ وهنا يكمن معيار الاختبار الحقيقي: مراسيم تطبيقية واضحة، وتنفيذ فعلي، وأجهزة رقابة مستقلة، وشفافية في الأرقام والمنهج.
ثانيًا: تشكيل الهيئات الناظمة، ولا سيما في قطاعَي الكهرباء والاتصالات، بوصفها خطوة مؤسساتية طال انتظارها. بيد أنّ هذه الخطوة لا تُجدي بذاتها ما لم تُترجَم إلى تنظيم فعلي للسوق، وصون القرار من تعدّي النفوذ السياسي عليه، وتحسين الخدمة وفق معايير معلنة تُحاسَب عليها الجهات المعنية.
ثالثًا: أما قرارات الحكومة في الخامس والسابع من آب الماضي، وكذلك قرارها المتعلق بالحظر الفوري لجميع أنشطة حزب الله العسكرية والأمنية، الصادر في جلسة الثاني من آذار 2026، والتي اعتبرها جزء من اللبنانيين من الإنجازات الكبيرة للحكومة، فلم تبلغ مرتبة الإجماع الوطني، ولم تكن لتتجاوز كونها حبرًا على ورق، في ظلّ موازين القوى الداخلية السائدة والوقائع الميدانية، التي سرعان ما أفرغتها من مضمونها وأجهضتها كليًا، لا سيما بعد اندلاع العدوان الإسرائيلي في الثاني من آذار 2026.
في المقابل، فإنّ الترويج لأعمال من قبيل تزفيت طريق المطار، أو شراء ماسحة ضوئية «سكانر» للمرفأ، أو افتتاح مراكز إيواء للنازحين في المدارس الرسمية، أو العمل على إقامة مخيمات لهم، على أنّها إنجازات حكومية، هو مبالغة تُشوّه مفهوم الإنجاز، وتُقوّض ثقة المواطن بالخطاب الحكومي؛ لأنّ مثل هذه الإجراءات، على ضرورتها أحيانًا، لا تعدو كونها أعمالًا عادية تدخل في صلب واجبات الدولة والوزارات، ولا ترتقي إلى إصلاحات بنيوية تُنسب إلى الحكومات ويُقاس بها أداؤها.
كما أنّ نسب مؤشرات من قبيل فائض ميزان المدفوعات أو نسب النمو أو زيادة أعداد السياح مباشرةً إلى سياسات حكومية، يغفل أنّ جزءًا من هذه المؤشرات هو نتاج ظروف موضوعية أو عوامل دفترية ومالية أو عوامل موسمية، لا تكفي وحدها لإثبات تحسّن بنيوي في الاقتصاد. فلم نسمع، مثلًا، عن خطط حكومية لمعالجة اختلال ميزان المدفوعات، كفرض رسوم جمركية لتشجيع الصناعات المحلية وخفض فاتورة الاستيراد التي تستنزف احتياطات لبنان من العملات الصعبة وتزيد الضغط على الليرة اللبنانية، أو عن خطط سياحية لاستقطاب مجموعات سياحية، أو لتعزيز المناخ الاستثماري، أو تحديث الجباية الضريبية بما يحقق العدالة الضريبية بين المواطنين ويزيد الإيرادات الضريبية، وخاصة الضرائب المباشرة.
أما الإخفاقات، بالرغم من أنّ العدوان الإسرائيلي شكّل ذريعة للحكومة، فهي عديدة، ويمكن تلخيص أبرزها بما يلي:
1- غياب أي خطة اقتصادية متكاملة لبلد يرزح تحت أزمة اقتصادية حادة؛ فلا تزال الصورة العامة بلا برنامج زمني واضح، ولا عرض شفاف لكلفة الخيارات ومصادر تمويلها، بما يُبقي الدولة في موقع إدارة الأزمة لا حلّها.
2- عدم معالجة ملف الرواتب والأجور في القطاع العام، بما في ذلك تعويضات نهاية الخدمة للأجراء والمياومين.
3- غياب أي مسار جدي لإصلاح وإعادة هيكلة القطاع العام، فيما خلا دراسة مجلس الخدمة المدنية حول إلغاء وظائف لم تعد صالحة.
4- عدم تطبيق آلية التعيينات الإدارية التي أقرتها الحكومة، والعودة إلى منطق المحاصصة الطائفية والسياسية في تعيينات الفئة الأولى، بما يشكّل خرقًا واضحًا للآلية الرسمية، ويُضعف فكرة المنافسة على أساس الكفاءة، ويحوّل الدولة إلى سوق حصص للأحزاب والمذاهب بدل أن تكون إدارة حقوق وخدمات. وآخر هذه التعيينات تلك التي حصلت في مجالس إدارة مؤسسات المياه، التي غُلّب فيها الانتماء السياسي على الكفاءة، لدرجة الابتذال، بما يُفرغ آلية التعيينات من مضمونها، ويكرّس "الحداثة" نهجًا في القوانين والسياسات العامة.
5- فوضى في اللجوء إلى قروض البنك الدولي لتمويل مشاريع يمكن تأجيلها أو الاستغناء عنها، في ظل تفشّي الفساد في الإدارة العامة.
6- الإصرار على إقرار قانون الانتظام المالي بمنهج محاسبي نقدي بحت، أي محاسبة أرقام بلا مقاربة اقتصادية إصلاحية، من دون القدرة على استشراف نتائجه الاقتصادية والسياسية ولو بالحد الأدنى.
7- تفويت فرصة حقيقية للبدء بالمحاسبة والمساءلة عن الهدر والنهب، رغم المؤشرات الإيجابية التي أظهرتها غرامات ديوان المحاسبة.
8- تحوّل الحكومة إلى جهة تدرس المشاريع أكثر مما تنفّذها، مع الإفراط في المؤتمرات الاستعراضية، كمؤتمر بيروت الاستثماري والمؤتمرات الخارجية، وخطط ودراسات تبقى حبرًا على ورق.
9- بقاء ملف المديونية العامة وإعادة هيكلة الدين دون أي تحرّك فعلي، رغم توقف لبنان عن سداد ديونه منذ عام 2020، ودون خارطة طريق تفاوضية معلنة تُحدّد الهدف والنهج والمراحل، وتُظهر للناس أنّ الدولة لا تُراكِم الصمت فوق خسائرها.
10- معظم الأهداف والطموحات الواردة في البيان الوزاري بقيت من دون تنفيذ؛ فلا تحديث فعلي للقطاع العام، ولا تحوّل رقمي بمعناه الإنتاجي، ولا اعتماد للمقاربات العلمية والسلوكية في العمل الحكومي. أما الحديث عن الكفاءة والولاء للدولة فحدّث ولا حرج. وبالنسبة إلى تعزيز التعليم الرسمي، ولا سيما الجامعة اللبنانية، فإنّ واقع ملف تفرّغ الأساتذة المتعاقدين يضع هذا الشعار تحت اختبار قاسٍ، إذ يعكس هذا الملف قصورًا في إدراك وظيفة الجامعة الوطنية كرافعة للدولة والاقتصاد الوطني والاستقرار الاجتماعي، لا كمرفق هامشي.
11- وأخيرًا، في ملف البنى التحتية والمرافق العامة، لا يزال الإهمال واسعًا. فقد تحوّلت أزمة الكهرباء إلى إحدى أبرز معضلات المرحلة؛ فعلى الرغم من تحسّن الجباية وارتفاع الإيرادات المحصّلة، لم يطرأ تحسّن يُذكر على ساعات التغذية، بل تراجعت لتصبح حوالي أربع ساعات يوميًا في المتوسط في كثير من المناطق. وفي قطاع المياه، يُضاف إلى ذلك التدهور الملحوظ في أوضاع الطرقات نتيجة انخفاض الإنفاق على أعمال الصيانة، وهو ما ينسحب أيضًا على معامل تكرير مياه الصرف الصحي التي توقّف معظمها عن العمل.
12- على الصعيد الداخلي، لم يُترجم ما ورد في البيان الوزاري حول التضامن الوطني، وحول إقرار استراتيجية أمن وطني على الصعد العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية. فلم يتم البحث فيهما نهائيًا، وبقيا حبرًا على ورق، رغم أهميتهما القصوى للبلاد.
فالمشكلة، في جوهرها، ليست نقصًا في العناوين ولا ندرةً في القوانين. لبنان يعاني من تخمة في النصوص، يقابلها قصور مزمن في تحويل النصوص إلى أداء. ومن هنا، فإنّ معيار النجاح لا يبدأ من: «ماذا أُقرّ على الورق؟»، بل من: «ماذا تغيّر في الواقع؟». هل انتظمت التعيينات وفق الآلية؟ هل صار القرار الإداري قابلًا للتنبؤ بدل أن يكون مفاجأة سياسية؟ هل أُقفلت منافذ الهدر بقرارات قابلة للقياس؟ وهل بدأ مسار جدي لإعادة هيكلة الدولة والدين والقطاع المصرفي على نحو يُشعر الناس بأنّ الدولة عادت لتعمل، لا لتشرح أسباب عجزها؟
والأخطر من الإخفاقات ذاتها هو تحويل البطء إلى نمط حياة، بحيث تُستبدل السياسة العامة بسلسلة إجراءات لا يجمعها تصور واحد. عندها لا يعود السؤال: لماذا لا نتقدّم؟ بل: كيف نقبل أن نبقى مكاننا فيما الخسارة تتراكم والفرص تضيع؟
في النهاية، نقول إنّ ما ينتظره اللبنانيون هو أن تُحكم الدولة بالقانون، لا أن يبقى القانون عنوانًا جميلًا في بيان وزاري. فالدولة التي تعجز عن تحويل البيان إلى فعل، تعجز حكمًا عن حماية سيادتها أو إدارة مستقبلها. وعندها، يبقى الإصلاح مؤجلًا، والدولة مؤجلة معه.
وحين تُؤجَّل الدولة، لا يُؤجَّل الانهيار، بل يتقدّم بصمت إلى الأمام.