الجنوب يرفض مصادرة روايته: مجدل سلم وجاراتها تضحي فداء للسيادة والوطن ودفعًا لخيار الاستسلام.. ومحور الإبادة يروّج للهزيمة و"المقابر الجماعية"
خلال الساعات الأخيرة، عملت المنصات الإعلامية المرتبطة بمحور الوصاية في لبنان على الترويج لـ”مقبرة جماعية” في بلدة مجدل سلم الجنوبية. انطلق هذا المصطلح أولًا من قناة “الحدث” السعودية، لتنقله عنها لاحقًا المنصات الداعمة للإبادة في لبنان بشكل مكثّف، مع تكرار المصطلح نفسه.
ما هي الحقيقة؟
تشيّع بلدة مجدل سلم 44 شهيدًا من أبنائها (وليس 129 بحسب مزاعم إعلام الوصاية)، ارتقوا جميعًا خلال الحرب الإسرائيلية العدوانية على لبنان منذ 2 آذار 2026. وبين هؤلاء الشهداء مدنيون قتلتهم “إسرائيل” في منازلهم بقصد الإبادة، وبينهم أيضًا رجال أخذوا خيار الدفاع عن أرضهم، وحملوا سلاحهم، وثبتوا عند الحدود، وأوقعوا خسائر ضخمة في صفوف العدو، ومنعوه من تحقيق اجتياحه البري الواسع بالسهولة التي أرادها.
إذًا، هي ليست “مقبرة جماعية” حتمًا، بل مجموعة شواهد على تضحيات قرية مجدل سلم، كما سواها من القرى، التي اختارت أن تقاوم جيش الإبادة، وتدافع عن وطنها حين كان البعض ينتظر بلهفة وصوله إلى بيروت.
ماذا تقول البلدية التي تعبّر عن مزاج أهلها؟
يؤكد رئيس بلدية مجدل سلم، يونس زهوي، في حديث لمنصة “بيروت ريفيو”، أن البلدة قدمت ضريبة الدم الغالية دفاعًا عن الأرض والكرامة، وأن حصيلة التضحيات في هذه الحرب الأخيرة بلغت 56 شهيدًا من خيرة أبناء البلدة، الذين ارتقوا على طريق العزة والشهادة.
وقال: “على الصعيد الأهلي والشعبي، نقف إجلالًا وفخرًا أمام صمود أهلنا الأوفياء، وتضحياتهم اللامحدودة، وإصرارهم البطولي على استكمال مسيرة الحياة والتمسك ببلدتهم وجذورهم مهما غلت الأثمان. هذا الصمود هو الرافعة الحقيقية والضمانة لبقاء هذه البلدة حيّة ونابضة”.
وتابع: “بالرغم من الواقع الصعب والقاسي، نؤكد أن إرادة الحياة والتمسك بالأرض لدى أهلنا أقوى من كل دمار. إننا اليوم، وبإمكاناتنا المتواضعة، نعمل بـ”اللحم الحي” لنعالج الجراح، ونرمم ما يمكن ترميمه، مواصلين طريق الصمود والبناء والتعافي”.
لماذا التركيز على تحويل التضحية إلى نكبة جماعية؟
يُعدّ تضخيم الخسائر، أو انتقاؤها وتأطيرها وتكرارها، أداةً معروفة للتأثير في إدراك الجمهور وعواطفه وإرادته وسلوكه، والعمل على المسّ بثقته بقيادته، وتقديره لميزان القوى، واستعداده لتحمل الخسائر، واعتقاده بإمكان تحقيق النصر.
من هنا، تعمل آلة الدعاية المرتبطة بمحور الإبادة في لبنان وخارجه على استخدام صور ضحايا الإبادة الإسرائيلية لتحويلها إلى نكبة لبنانية، وصناعة سردية “التضحيات بلا جدوى”، والتركيز على الاستثارة العاطفية.
فالصورة تجعل الخسارة محسوسة، وتثير الخوف والحزن والتعاطف بصورة أكبر. وفي حالة لبنان، يتم توظيفها في خانة “البكائيات” غير المتوازنة. علمًا أن أهل التضحية أنفسهم هم من أخذوا قرار المواجهة والتضحية، رفضًا لخيار آخر يتم استبعاده من المشهد الإعلامي، وهو خيار الاستسلام والخضوع، والموت البطيء دون ثمن.
ماذا يقول التاريخ عن ثمن السيادة والحرية؟ هل لبنان نموذج فريد؟
* قدمت الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي عام 1962 أكثر من مليون شهيد. وتُظهر الكتب المدرسية حتى اليوم هذه التضحيات بوصفها ثمن استعادة السيادة.
* دفع الاتحاد السوفيتي خلال الحرب ضد ألمانيا النازية (1941–1945) ما يُقدَّر بنحو 24 إلى 27 مليون قتيل. وفي الذاكرة الوطنية الروسية أصبحت هذه هي “الحرب الوطنية العظمى” والركيزة الأبرز في سردية إنقاذ البلاد.
* تحولت حرب فيتنام 1955- 1975 إلى أحد أبرز نماذج تحمّل المجتمعات الكلفة في سبيل الاستقلال. وتتراوح التقديرات للخسائر البشرية بين نحو 1.6 مليون وأكثر من 3 ملايين قتيل من العسكريين والمدنيين. وفي فيتنام تُعتبر هذه التضحيات، حتى اليوم، الأساس الذي قامت عليه استقلال البلاد ووحدتها.
* فقدت بولندا خلال الحرب العالمية الثانية قرابة 6 ملايين من سكانها. وأصبحت تجربة الاحتلال والمقاومة والتضحية جزءًا مركزيًا من الهوية البولندية، وتُعرض في المناهج والمتاحف بوصفها دفاعًا عن بقاء الأمة.
تاريخ بعض المدّعين
إشارة إلى أن جزءًا هامًا من مثيري هذا الالتباس، ومن الذين يعمدون إلى السخرية من حجم التضحيات، سبق أن خاضوا معارك كبيرة في الحرب الأهلية اللبنانية، وكلّفوا مجتمعاتهم ودولتهم أثمانًا كبيرة وباهظة، لكنهم إلى اليوم يحتفون بذكرى هذه المعارك، ويعتبرونها فعلًا “بطوليًا” وجزءًا من معركة “الدفاع عن الوجود”.
بالنتيجة، ورغم “البكائيات” الكاذبة التي تهمل جانب الإرادة والصمود، يدرك أهل الأرض، من خلال تجربتهم، أن التضحيات هي الأثمان التي تفرضها عليهم آلة القتل الإسرائيلية، وأن سنن التاريخ تقول إن السيادة والأرض لا تُحفظان إلا بتقديم الدماء، وبالاستعداد للبذل صونًا لما تبقى من مجتمع وأرض وحياة ومستقبل، ومنعًا للإبادة الكاملة التي تروّج لها منصات الوصاية.