من ضريبة النرجيلة إلى الإقامة الذهبية.. ثماني سنوات والذهنيّة نفسها

بقلم: نبيل بو نصر الدين
كاتب وباحث لبناني

منذ عام 2018 وحتى اليوم تواصل الحكومات اللبنانية المتعاقبة "إبهار" اللبنانيين بقرارات وإنجازات تُثير الدهشة أكثر مما تُثير الإعجاب. فلا يكاد يمر اجتماع لمجلس الوزراء إلا ونشهد قرارًا جديدًا في السياسة أو الاقتصاد أو الشأنين الاجتماعي والثقافي، يوحي للمواطنين وكأنهم يسيرون بخطى ثابتة نحو الدولة “العصرية” التي طالما حلموا بها.

 من ضريبة النرجيلة إلى سياسة الدعم

ثماني سنوات مرّت، ولم يتغيّر كثيرًا في الذهنية التي تُدار بها الحكومات والبلد. فمنذ تلك الضريبة التي أثارت استغراب اللبنانيين، وهي “الضريبة على رأس النرجيلة” التي وردت في مشروع موازنة عام 2019 في عهد حكومة الرئيس سعد الحريري، قبل أن تتراجع الحكومة عنها، مرورًا بالرسم على الاتصالات عبر تطبيق “واتساب” الذي أشعل انتفاضة 17 تشرين، ثم التراجع عنه أيضًا، بدا أن القرارات الكبرى كثيرًا ما تُتخذ قبل استكمال دراسة آثارها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ولم تتوقف هذه المقاربة عند الضرائب، بل امتدت إلى سياسة الدعم التي اعتمدتها حكومة الرئيس حسان دياب بصورة واسعة خلال الفترة الممتدة بين عامي 2020 و2021، بالتعاون مع مصرف لبنان، حيث موِّلت بمعظمها من احتياطات المصرف المركزي بالعملات الأجنبية، وهي احتياطات كان جزء كبير منها يمثل أموالًا تعود للمودعين.

وقدّرت دراسات وتقارير اقتصادية كلفة سياسة الدعم بما يزيد على 16 مليار دولار، من دون أن تتحقق العدالة الاجتماعية المنشودة، نتيجة التهريب والاحتكار والزبائنية وسوء إدارة الدعم، ما أدى إلى استنزاف جزء كبير مما تبقى من احتياطات العملات الأجنبية.

ولم تنته هذه المقاربة بانتهاء مرحلة الدعم, بل استمرت، بأشكال مختلفة، في أداء الحكومات اللاحقة.

حكومة الإصلاح والإنقاذ.. من الإصلاح إلى الجباية

لم يكن ذلك القرار استثناءً، بل نموذجًا لنهج استمر مع الحكومة الحالية التي تعددت قراراتها المثيرة للجدل. ففي كثير من الحالات، تبدو القرارات وكأنها تُتخذ استجابة لضغوط سياسية أو شعبية آنية، من دون نشر دراسات أثر أو عرض تقييم واضح لتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، وهو ما يحدّ من قدرة الرأي العام على تقييم أسس هذه القرارات.

ويظهر ذلك في عدد من الملفات، ومنها قانون الفجوة المالية الذي أثار اعتراضات قانونية واقتصادية، وكذلك مشروع إعادة هيكلة المصارف، الذي ارتبط مساره التشريعي بمعالجة الفجوة المالية، وما زال يواجه تعثرًا حتى اليوم.

على الصعيد السياسي

على الصعيد السياسي، اتُّخذت قرارات قيل إنها تهدف إلى تعزيز السيادة والوحدة الوطنية وميثاقية العيش المشترك، إلا أن بعضها أثار نقاشًا سياسيًا واسعًا، فيما بدت بعض المقاربات قابلة للمراجعة أو التراجع مع تبدّل الظروف والضغوط السياسية، بما يعكس استمرار النهج نفسه في إدارة الملفات العامة.

على الصعيد الاقتصادي

أما على الصعيد الاقتصادي، فما زالت حفلة “الإصلاح” مستمرة على مختلف الصعد، من التعيينات الإدارية، إلى تطبيق القوانين، وإقرار حزمة من التشريعات التي تُقدَّم باعتبارها مدخلًا للتغيير والنهوض بالبلد والخروج من أزمته الاقتصادية والمالية والاجتماعية.

وفي نهاية المطاف، يتحمل المواطن اللبناني كلفة هذه المقاربة، إذ يبقى الحلقة الأضعف، فيما تستمر السلطة والطبقة السياسية، البعيدة عن المساءلة والمحاسبة، في البحث عن حلول آنية لا تعالج جذور المشكلة، بل تزيد الأعباء الاقتصادية والاجتماعية على الناس.

ويبرز في هذا السياق قرار حكومة الرئيس نواف سلام عام 2025 بزيادة مئة ألف ليرة على صفيحة البنزين و174 ألف ليرة على صفيحة المازوت لتمويل زيادة رواتب العسكريين والمتقاعدين، قبل أن تتراجع عنه الحكومة، إضافة إلى القرار اللاحق بفرض رسوم على البنزين، واقتراح رفع الضريبة على القيمة المضافة من 11% إلى 12% عام 2026 لتمويل زيادة رواتب موظفي ومتقاعدي القطاع العام.

والخطأ، بطبيعة الحال، وارد، بل إن التراجع عنه عند اكتشافه يُعد أمرًا إيجابيًا. غير أن تكرار الأخطاء والتراجع عنها يفضي تدريجيًا إلى تآكل الثقة بالحكومة وبقدرتها على إدارة الملفات العامة، كما يعكس خللًا بنيويًا في آلية صنع القرار.

ولهذا الخلل أسباب متعددة، من أبرزها:

* أولًا: غياب مراكز الأبحاث والدراسات التي تُشكّل سندًا للحكومة والمجلس النيابي ورئاسة الجمهورية والإدارات العامة. ففي كثير من الحالات، تبدو القرارات وكأنها تُتخذ من دون نشر دراسات أثر أو عرض تقييم واضح لتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، ما يحوّل الحكم إلى رد فعل بدلًا من أن يكون نتاج تخطيط علمي.

* ثانيًا: غياب المساءلة، إذ إن العودة عن القرارات والمراسيم غالبًا لا تُرفق بمحاسبة من اتخذ القرار الخاطئ أصلًا، فتتكرر الدورة نفسها: قرار متسرع، ثم اعتراض، ثم تراجع، من دون أن يتغير شيء في آلية صناعة القرار.

* ثالثًا: محدودية استقلالية الحكومات المتعاقبة، وخضوع كثير من وزرائها لاعتبارات القوى السياسية التي يمثلونها، بما يجعل التوافق السياسي يتقدم أحيانًا على التخطيط المؤسسي، ورد الفعل يسبق صناعة السياسات، والزبائنية تتقدم على الكفاءة.

إن مكمن الخطورة هنا أن المواطن والمستثمر، على حد سواء، يتعاملان مع كثير من القرارات الحكومية على أنها مؤقتة وقابلة للنقض، ما يضعف الثقة بالدولة وباستقرار سياساتها. وتؤكد الأدبيات الاقتصادية أن استقرار السياسات العامة وقابليتها للتنبؤ يشكلان أحد أهم عناصر جذب الاستثمار وتعزيز الثقة بالاقتصاد، فيما تؤدي كثرة التراجع عن القرارات إلى زيادة حالة عدم اليقين لدى المستثمرين والفاعلين الاقتصاديين.

وفي المقابل، أصبح مقياس “النجاح” لدى الحكومات، في نظر كثيرين، يرتبط بإنجازات استعراضية، مثل تعيين الهيئات الناظمة، من دون أن يظهر، حتى الآن، مردود ملموس يوازي الكلفة المترتبة عليها، في ظل غياب الإصلاحات اللازمة لتفعيل دورها.


على الصعيد المالي

أما على الصعيد المالي, فلا تزال سياسة “دفتر الدكنجي”، التي تختزل الذهنية السائدة في إدارة المالية العامة، مستمرة، والقائمة على البحث عن أي مورد سريع لرفد الخزينة.

فالمرسوم رقم 3214، الذي صدر قبل أسابيع، سعى إلى فرض رسوم لمعالجة النفايات الصلبة تتراوح، بعد احتساب الضريبة على القيمة المضافة، بين 1.11% و3.33% على السلع المستوردة والمصنّعة في لبنان، قبل أن تعلّق الحكومة تنفيذه بسبب تداعياته الاقتصادية والاجتماعية.

ولا أريد هنا الخوض في انعكاسات هذه الرسوم على الأسعار والقدرة الشرائية للمواطن، بل في حجم الإيرادات التي قد تحققها. فإذا احتُسب متوسط الرسوم بنحو 2% على قيمة السلع المستوردة، التي بلغت نحو 21 مليار دولار عام 2025، فإن الإيرادات المتوقعة قد تبلغ نحو 420 مليون دولار. وإذا أضيف إلى ذلك رسم الطابع على الضريبة على القيمة المضافة، الذي يقدَّر بنحو 45 مليون دولار، فضلًا عن الرسوم المفروضة على السلع المصنعة محليًا، فإن الحصيلة قد تتجاوز بكثير الكلفة السنوية لمعالجة النفايات، التي تشير تقديرات وتقارير متخصصة إلى أنها تتراوح، وفقًا لسيناريوهات التشغيل المختلفة، بين نحو 200 و300 مليون دولار سنويًا.


الإقامة الذهبية.. بين الوعود والغموض

وإذا كانت الرسوم تمثل أحد وجوه البحث عن موارد مالية، فإن مشروع “الإقامة الذهبية” يطرح نموذجًا مختلفًا يقوم على اجتذاب الرساميل من الخارج.

غير أن هذا المشروع، الذي بدأ يثير نقاشًا واسعًا، ما زالت تفاصيله غامضة. فوزير المالية لم يوضح ماهيته بصورة كاملة، واكتفى بالقول إنه سيدر أموالًا على الخزينة، ويوفر فرص عمل، ويساعد على النمو الاقتصادي، بل إن جوابه عندما سُئل عن تفاصيله اقتصر على عبارة: “ستتفاجؤون”.

وفي توقيت يعاني فيه لبنان من عدم استقرار سياسي وأمني، ومن أزمة مالية ومصرفية عميقة، وتوقف عن سداد ديونه السيادية، وبنى تحتية متعثرة، يعطي هذا المسار انطباعًا بأن الحكومة باتت تركز بصورة متزايدة على البحث عن موارد مالية سريعة، أكثر من تركيزها على إصلاحات اقتصادية وهيكلية طويلة الأمد.

وحرصًا على موضوعية النقاش، يبرز سؤال جوهري: هل استند المشروع إلى دراسات واضحة تُبيّن المنافع المالية والاقتصادية المتوقعة، في مقابل أي إعفاءات أو حوافز ضريبية قد يتضمنها؟

وتبقى التساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت هذه الإقامة، في حال تضمنت إعفاءات ضريبية أو تسهيلات واسعة كما جرى تداوله، ستشكل فرصة استثمارية حقيقية تعود بالنفع على الاقتصاد الوطني، أم أنها ستتحول إلى منظومة تمنح القادم من الخارج امتيازات لا يحظى بها المواطن المقيم.

الخاتمة

في نهاية المطاف، تكمن الخطورة في الذهنية التي تُؤثر الإيراد السريع والمؤقت على حساب الإصلاح الحقيقي، وتُفرّط بالمزايا النسبية القليلة التي ما زال يتمتع بها لبنان، بدل توظيفها في بناء اقتصاد منتج ومستدام.

إن هذه البدع الاستثمارية والضريبية المتتالية قد تبدو، في ظاهرها، حلولًا سريعة، لكنها تعكس، في جوهرها، استمرار الاتجاه نحو توسيع الجباية أكثر من توسيع الإنتاج؛ أي البحث عما يمكن سحبه من جيب المواطن، بدل البحث عما يمكن إضافته إلى الاقتصاد.

ولن يكون مستغربًا، إذا استمر هذا النهج، أن تجد الدولة نفسها يومًا أمام خيارات أكثر صعوبة، قد يصل بعضها إلى خصخصة ما تبقى من أصولها، في محاولة لتأمين موارد لخزينة استنزفتها، وما زالت تستنزفها، سنوات من الفساد والمحاصصة والنهب.

على أمل ألا تعيدنا هذه الذهنية إلى حقبة لم يكن فيها المواطن سوى مصدر للضرائب، حيث تتبدل الأسماء والعناوين، وتبقى الذهنية نفسها.

منشورات ذات صلة