الباحث العربي المتخصص في الدراسات المستقبلية د. وليد عبد الحي يوجه رسالة إلى الرئيس جوزاف عون: هل تظن أن "إسرائيل" دولة طبيعية؟
وجه الباحث العربي المتخصص في الدراسات المستقبلية د. وليد عبد الحي، من خلال صفحته على "فيسبوك"، نداءً إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون حول أداء السلطة التنازلي في ملف المفاوضات المباشرة مع العدو الإسرائيلي، مؤكدًا له أن "اسرائيل" تبني رؤيتها الاستراتيجية على أساس "تطويع أمن الآخرين لخدمة أمنها"، وهي "لن تعطيك شيئًا إلا بعد أن تأسر مستقبل الأمن في بلادك بيدها وحدها". وتوجه إليه بالسؤال: "ما هي أدوات ضغطك لإجبار اسرائيل على الانسحاب الكامل وإعادة الأسرى والسماح بعودة المهجرين، فأنت "لا خيلَ عندكَ تُهديها ولا مالُ"، فأنت لا تملك قوة عسكرية.. فحدد لنا ما هي أدوات ضغطك؟".
وفي ما يلي نص النداء:
نداء للرئيس اللبناني
وليد عبد الحي
سيادة الرئيس اللبناني جوزيف عون الموقر:
أرجو أن تسمح لي، سيادة الرئيس، بأن أبدأ رسالتي بقول الكاتب الأمريكي "واين داير" (Wayne Dyer): "إنك إذا غيرت طريقة نظرك للأشياء فإن تلك الأشياء ستتغير"، ويبدو أن نظرتك السياسية لاسرائيل تبدو قائمة على مضمون محدد، وهو إمكانية إقامة علاقة طبيعية مع اسرائيل والحصول على كل المطالب اللبنانية القانونية من هذه الدولة وبدون ضغوط، وهو ما يعني أنك تنظر لاسرائيل "كدولة طبيعية" يمكن بناء العلاقات معها كأية دولة أخرى، وهنا يأتي سؤالي الأول: هل قاعدة تفكيرك هذه هي قاعدة مبنية على أساس "علمي"، أم هي "استجابة لنزوع دفين تواريه اتفاقات إقليمية ودولية تتضمن دعم ترشيحك للرئاسة مقابل لجم الدور اللبناني في الصراع العربي الإسرائيلي والتضييق على الفضاء الاستراتيجي الإيراني وإفساح المجال لتوسيع قاعدة الاتفاقات الإبراهيمية؟". وللتثبت من ذلك، فقد ذكرت نصًا في خطابك الأول بعد تولي المنصب بأنك ستعمل على "التخلص من الاحتلال الإسرائيلي.. وتأكيد حق الدولة في احتكار حمل السلاح"، وها قد مضى أكثر من عام على توليك السلطة، ولم نرَ أية مؤشرات على تحقيق أية نسبة من هذين المطلبين، بغض النظر عن مضمونهما ودلالاتهما، بل إن الأمور ازدادت سوءًا، فالقتال والاغتيالات لم يتوقفا، ويكفي أن أشير لك بأن بلادك تحتل المرتبة 172 في معدل الاستقرار السياسي الذي وصل إلى 1.52 بالسالب (من 2.5 بالسالب كأعلى درجات عدم الاستقرار)، وتحتل المرتبة 138 في معدل الدخل الفردي، فلا استقرار سياسي ولا استقرار اقتصادي، يضاف لذلك الضعف الشديد في مؤشر القوة العسكرية (powerindex) الذي يحتل فيه لبنان المرتبة 118 بمعدل 2.6521، مما يجعل من جيشك أقرب للفرق الكشفية.
سيدي الرئيس:
في ظل معطيات الوهن السابقة، فإن التدثر بصياغات لفظية تحاول تكريس دلالاتها بالعقلانية، لن يجدي، بل لا بد من الأخذ في الاعتبار المعطيات التالية:
1- إن الطرف الإسرائيلي يجعل أمن الدولة - الكيان الجيوسياسي والجيوستراتيجي - يعلو على أمن النظام السياسي الإسرائيلي بل وأمن المجتمع، أي إن اسرائيل لا ترى أي خطوة أو مشروع إلا من زاويته الأمنية أولًا، فاسرائيل تضع الاحتمال التالي: حتى لو تمكنت الحكومة اللبنانية من نزع سلاح المقاومة، فإن اسرائيل تبقي على الاحتمال التالي: "كيف أضمن عدم ظهور مقاومة جديدة، وكيف أضمن أمن المستوطنات، وماذا لو تغير النظام الحالي في سوريا مهما كان الاحتمال ضعيفًا، وماذا لو تزايد ظهور الغاز في منطقة متنازع عليها مع لبنان، ...إلخ"، أي إن اسرائيل ستضع المتغيرات حتى شبه المستحيلة في اعتبارها، وتبني رؤيتها الاستراتيجية على أساس "تطويع أمن الآخرين لخدمة أمنها"، فهي لن تعطيك شيئًا إلا بعد أن تأسر مستقبل الأمن في بلادك بيدها، ويدها وحدها، ويكفي - سيدي الرئيس - التمعن في موقف اسرائيل من منظمة التحرير الفلسطينية التي أعطت اسرائيل كل ما طلبته حتى "سرير نومها"، لكن دراسة أكاديمية لبنود أوسلو التفصيلية تُبين أن اسرائيل نفذت 4.7% من أوسلو فقط.
2- يمكنك تكليف أي موظف لرصد ترتيب دول العالم حسب عدد الإدانات الصادرة عن المنظمات الدولية، وبخاصة الأمم المتحدة، ضد كل دولة في العالم، ستجد أن مجموع الإدانات لاسرائيل يعادل ثلاثة أضعاف مجموع الإدانات لبقية الدول الأعضاء الـ193 دولة، وهو ما يعني أن الالتزام الإسرائيلي بالقوانين والاتفاقيات أمر يجب وضعه في رأس قائمة الاحتمالات عند التعامل مع اسرائيل على أساس محدد، وهو أنه "ليس إلا أوهامًا" بحكم الخبرة التاريخية.
3- فقدان كل عوامل الضغط على الطرف الآخر: سيدي الرئيس، المفاوضات الدولية (وأنت تحمل شهادة في العلوم السياسية) ليست فن الإقناع، وليست مناقشة أكاديمية عقلية، بل هي "فن توظيف متغيرات القوة الخشنة والناعمة لتحقيق أكبر قدر من المكاسب أو أقل قدر من الخسائر"، فطاولة المفاوضات هي انعكاس أمين جدًا لمقومات القوة الميدانية، وهنا اسمح لي بالسؤال التالي: ما هي أدوات ضغطك لإجبار اسرائيل على الانسحاب الكامل وإعادة الأسرى والسماح بعودة المهجرين... إلخ من مطالب لبنانية؟ فأنت "لا خيلَ عندكَ تُهديها ولا مالُ"، فأنت لا تملك قوة عسكرية، واقتصادك نخره الفقر والفساد، ومجتمعك مُشظى بنيويًا ووظيفيًا، فحدد لنا ما هي أدوات ضغطك؟
4- هل تجربة العرب في الاتفاقيات مع اسرائيل تغويك لتتابع رؤيتك الحالية؟ فمصر منذ اتفاقها مع اسرائيل تراجعت في المكانة الدولية أكثر من 76 مرتبة، وتم اكتشاف عشرات خلايا التجسس الإسرائيلية فيها، وسوريا لم تَعُد معروفة حدودها الدولية بل أصبحت ميدانًا لتدريب القوات الإسرائيلية وتسعى لهندسة البنية الاجتماعية الديموغرافية فيها، والأردن لم تحترم اسرائيل لا وصاية هاشمية على المقدسات ولا اتفاقات الماء ولا نشاطات وكالة غوث اللاجئين، بل وكثيرًا ما عملت على المس بالسيادة من خلال التكرار لخرائط اسرائيل الكبرى التي يعرضها نيتنياهو باستمرار، أضف لذلك الأدوار الإسرائيلية في السودان والصومال لاند واضطراب الخليج، بل والتسلل لدول الساحل الإفريقي بكل ما له من تداعيات على أمن دول المغرب العربي... إلخ.
5- إذا كان مطلب التفاوض المباشر مطلبًا إسرائيليًا أمريكيًا، فماذا أخذت مقابله؟ فلو أنك طلبت الانسحاب أولًا من كل الأراضي اللبنانية، ثم يجري التفاوض، أو وقف الغارات، أو وقف إطلاق النار التام، أو إعادة الأسرى... أو...، لكنك جلست على طاولة المفاوضات دون أن تطلب مقابل ذلك.. فشايلوك، سيدي الرئيس، لا يعطي دون مقابل.. ودول الخليج لن تفي بما تعدك به، وفي هذا الجانب تطول القائمة.
6- ليتك تسأل، سيادة الرئيس، رئيس وزرائك عن ما نفذته اسرائيل من قرارات المحاكم الدولية التي خبرها تمامًا؟ فقد سخر نيتنياهو من قرارات المحاكم الدولية بكل ما لها من وزن معنوي عالمي، فهل لك أن تطلب منه تحديد وزنه النوعي للتأثير على اسرائيل للاستجابة لمطالبه في ظل المعطيات التي أشرت لها في بداية هذه الرسالة؟
أخيرًا، سيدي الرئيس، تأمل في مقولة "واين داير"... سترى الأشياء مختلفة عما تروجه الآن... مع احترامي.