المقاومة الشعبية بين الوصمة والقيم
بقلم: عباس صبحي حدرج
(متخصص في علم النفس الاجتماعي والعلوم البصرية والإدارية)
دائما ما يحاول التحليل السياسي والآني للأحداث أن يجد تفسيرات سريعة ومؤقتة لمسار الصراعات عند حدوثها، هذا ما قد يخلق رؤية يشوبها الضباب أو تنجر بها النقاشات والحوارات إلى احتدام شعبوي غير واضح الأفق. نادرًا ما يُصار إلى رؤية الأبعاد الكبرى لهذه الأحداث أو مقاربتها. من هنا، بات لزاما علينا مقاربة الصراع القائم من منظور أعلى يرى جذور الصراع القائم حاليا في منطقتنا وأساليب استخدام العلوم الحديثة بمنظور علم النفس الاجتماعي لتحديد مستقبل هذه الجولة.
المقاومة الشعبية في بيئاتها المختلفة في اليمن أو العراق وخاصة لبنان - كنموذج للتحليل - وبدعم من الجمهورية الإسلامية الإيرانية تشكل عائقًا أمام الرأسمالية العالمية وجذورها الممتدة في النظرية المادية والفردانية نتاج الثورة الفرنسية والصناعية في أوروبا. هذه المقاومة كانت إلى عام 2000 وقبل 2005 تشكل نموذجا قيميًا يحتذى به. ولكن ومع استخدام أساليب متجددة بوسائل أوسع وأعمق، بات من الواضح أنها تخضع حاليًا للنقد الاجتماعي المناقض لها وباتت توصم في بيئات مختلفة من لبنان والمنطقة والعالم بوصمة التهور وطلب الموت وجر البيئة اللبنانية نحو الهاوية.
كيف تمكنت القوى الاستعمارية الكبرى من جعل المقاومة عرضة للوصمة اجتماعية؟ وإلى أي مدى نجحت في ذلك حقيقة؟ وكيف يجب النظر إلى الصراع القائم؟
في زمن الامبراطورية اليونانية، كان المجرمون والعبيد يوسمون بوسم او علامة جسدية باستخدام مكواة أو آلة حادة كمحاولة لتصنيفهم وتمييزهم وعزلهم عن الجماعة الطبيعية الأصيلة. انتقل الوسم أو الوصم عبر الزمن من آليات تمييز جسدية إلى أساليب ووسائل إقصاء نفس اجتماعي، باعتبار كل من أو ما يخالف الجماعة الأقوى هو شخص أو سلوك شاذ يجب التعامل معه على أنه تهديد لهوية الجماعة وتماسكها أو نسقها الاجتماعي. يكون هذا عبر وصم الافراد المختلفين من حيث الشكل أو المرض أو العرق أو اللون وغيرها، أو وصم أوسع باعتبار سلوك بعض الجماعات سلوكا شاذا عما هو طبيعي وعما هو ضمن العقد الاجتماعي للجماعات. يستخدم الوصم عادة كنوع من السيطرة أو الضبط الاجتماعي ضد من يشغلون مكانة دنيا في بيئات معينة أفرادا كانوا أم جماعات ضمن جماعات أكبر وأقوى ماليًا - سلطويًا - إعلاميًا أو عسكريا.
مع ظهور علم النفس الاجتماعي وتحديد خصائصه ومناهجه ونظرياته باتت وسائل الوصم الحديثة أمضى تأثيرًا في تغيير اراء واتجاهات الشعوب والأفراد نحو تبني قيم غريبة غربية نتجت عن الثورتين ومنها الفردنة والمادية مقابل إطفاء قيم أصيلة كانت رائجة مثل الإيثار، التضحية، رفض الهيمنة وغيرها. عمدت القوى المستعمرة سابقًا وحاليا خصوصًا أميريكا بعد الحرب العالمية الثانية وبعد تجربتها لمسار الحروب المباشرة الى اعتماد حروب جديدة باستخدام أسلحة علم النفس الاجتماعي في محاولة لاحتواء والسيطرة على كافة العقبات التي تمنع تمددها في العالم بالتزامن مع فرض العولمة والأحادية القطبية على كافة الأصعدة وميادين الاستهلاك.
اعتمدت في هذا الأمر من منظور نفس اجتماعي على ثلاث آليات بالتوازي:
1- السيطرة على الإعلام بكافة أشكاله.
2- السيطرة على قيادات الشعوب السياسية.
3- نسف أصالة القيم البشرية واستبدالها بقيم جديدة تسمح بعبور السيطرة - ومنها المقاومة.
ومع التركيز على القيمة العملانية في مواجهة الاستعمار ألا وهي المقاومات الشعبية، برز الى الواجهة عدة أساليب باستخدام ما ذكر سابقا:
1- التحكم بالمصطلحات، استخدم الإعلام كوسيلة تبثّ مصطلحات جديدة مشوّهة فبدل ذكر مقاومة ذهبت الى تسميات شاذة مثل الإهارب والسلاح غير الشرعي أو السلاح خارج إطار الدولة مما يعزز نوع من أنواع الوصمة وهي الوصمة العامة لدى الشعوب.
2- استخدمت العناصر أو القيادات التابعة لتغيير البنى السياسية والأنظمة الحاكمة كتجريم أي عمل يتخطاهم في مواجهة الاستعمار والإحتلال مما يعزز النوع الثاني من الوصمة وهو الوصمة البنيوية أو الهيكلية.
3- الضغط باتجاه تعديل القيم وترسيخ الوصمة الذاتية وهي عندما يتبنى الأفراد أو الجماعات إثر الضغط الهائل عليها القيم الجديدة ويصبح الوصم ذاتيا داخليا مستدامًا ينتقل من جيل إلى جيل وتنسى بذلك القيم الأصيلة.
استطاعت أميركا وحلفائها في النصف الأخير من القرن الماضي من فرض هيمنة نفس اجتماعية على الشعوب بشكل عام واستطاعت إطفاء السلوك المقاوم في المنطقة العربية والإسلامية بعد أن وجدت أن الاحتلال المباشر لا يفي بالغرض. بقيت هذه القوى تواجه مقاومة في بيئات معينة نعيش صراعها الحالي في حرب أميريكا على إيران وباقي الساحات.
يشكل الصراع القائم في المنطقة بين أقوى قوة للنظرية المادية وإيران الداعم القيمي الأول للمقاومات الشعبية ذروة الصراع بين المادية والقيمية وليس بين دولة وأخرى، أي صراع يسمو عن كونه صراعًا سياسيا أو مصالح متضاربة وإنّما يمثل صراعًا جوهريا نحو شكل العالم القادم. إن سقوط هذه المقاومة شعبيًا أو عسكريا، يعني بأنّ أي مقاومة لاحقة ستكون أضعف لفترة طويلة من الزمان وستصبح حقيقة المقاومة وصمة مستدامة على جبين كل من سيدعو إليها. بينما في حال صمدت هذه المقاومات الشعبية ومن خلفها نظام إيران - الذي يستند في أساسه إلى الشعوب المقاومة (البسيج) - فسيكون لها تأثيرها الخاص في إعادة تشكيل القيم وإحياء القيم الانسانية كالتضحية والإيثار والمقاومة في وجه الغطرسة العالمية.