“الخط الأصفر” المجمّد: كيف يعيد عون وسلام ترميم “متاهة” 1949؟

بقلم: علي نقر
19 نيسان 2026


في التاسع من تشرين الثاني عام 1977، أطلق أنور السادات جملته التي غيّرت وجه المنطقة: “مستعد للذهاب إلى أي مكان من أجل السلام، حتى الكنيست”. كان هذا القول إشهاراً لمشروع سياسي يستند إلى موازين قوى أفرزتها حرب تشرين، وقرار سيادي يمتلك أدوات التنفيذ. واليوم، وبعد قرابة نصف قرن، يُطالعنا جوزيف عون بذات العبارة، محاولاً استنساخ التاريخ بأسلوب “القص واللصق”، ومقدّماً لبنان في طبق من الاستعداد المفتوح للارتماء في أحضان تسويات لا تملك الدولة من أمرها شيئاً. هذا التشابه اللفظي يخفي خلفه فوارق شاسعة تصل إلى حد الفجاجة؛ فالسادات فاوض واستسلم من موقع “الرئيس” الذي يملك أوراق ضغط حقيقية وقاعدة سياسية متماسكة، بينما يطلق عون صرخته وسط دولة مأزومة وقرار سياسي مشتّت. إن محاولة استحضار روح “كامب ديفيد” في بيروت حالياً هي عملية تفريغ للمضمون الوطني، وتحويل “السلام” إلى عنوان هلامي يشرّع الأبواب أمام ارتهان وظيفي يبيع التضحيات مقابل أوهام الاستقرار.

يتجاوز سلوك جوزيف عون حدود المناورة السياسية ليصبح انقلاباً صريحاً على الأرضية الميثاقية التي عبّدت له طريق الرئاسة في دورته الثانية. نحن نعيش “عصر إعادة الخطاب”، حيث يتم نبش المصطلحات الميتة لإحيائها في خدمة مشاريع مشبوهة؛ فعبارة “بيروت منزوعة السلاح” التي أعاد نواف سلام تدويرها، تمثل كلمة السر في أجندة “ديفيد كيمحي” المؤجلة منذ عام 1979، والتي تتطابق حرفياً مع “الخط الأصفر” الموثق في وثائق “المتاهة اللبنانية”، والمحدّد للحزام الأمني الإسرائيلي منذ عام 1949. هذا التقاطع العضوي بين “المفاوض” في المحافل الدولية و”الرئيس” في بعبدا يكشف عن توزيع دقيق للأدوار، يكتمل بقرارات حكومية مريبة صدرت في أوج الحرب لسحب الشرعية عن أبناء الوطن الذين تصدّوا لمحاولات استسلام الدولة. إن طعن المقاومين بقرارات رسمية في لحظة المواجهة الوجودية يمثل الارتداد الكامل عن الدور التوافقي، وانتقالاً مريباً إلى مربع الارتهان الوظيفي الذي يسعى لتحويل الانتصارات التاريخية إلى تنازلات مجانية.

تأتي محاولات وصم فعل المقاومة بـ”المغامرة” كخطيئة سياسية تهدف إلى تجريد فعل التحرر من أبعاده الإنسانية والوطنية، واختزاله في حسابات ضيقة تخدم السردية المعادية. إن القفز فوق أربعين عاماً من التضحيات التي بذلها أهل المقاومة من دمائهم ومعاناتهم، يمثل استخفافاً بوعي الشعب اللبناني وتاريخه النضالي. هذا الخطاب الصدامي الذي يتبناه عون ليس معزولاً عن سياقه الإقليمي؛ فهو استدعاء يائس لرهانات سقطت تباعاً منذ عام 2006، وفشلت تحت مسميات “الشرق الأوسط الكبير” و”الشرق الأوسط الجديد” و”حراك تشرين” المصطنع. إن الإصرار على تقديم أوراق اعتماد للأعداء عبر ازدراء مساندة غزة، والتلميح بأن الوقوف مع المظلوم هو سبب الكارثة الوطنية، يعكس عمق الانحدار في الفهم السيادي. سيبقى التاريخ شاهداً على أن الكرامة الوطنية لا تُستعاد بالمفاوضات المذلّة المباشرة، بل بالثبات الذي أسقط كل الأجندات المعدّة سلفاً، وأثبت أن إرادة أهل المقاومة أقوى من كل أشكال الارتهان الوظيفي.

إن محاولة استنساخ تجارب التفاوض المنفرد في زمن الانكسار الرسمي تمثل قفزة في الفراغ، وتجاهلاً صارخاً لحقيقة أن لبنان لم يعد ساحة مستباحة للمشاريع المؤجلة. السادات ذهب إلى خياره مدفوعاً بنصر عسكري، بينما يسعى عون وسلام للذهاب إلى “أي مكان” منقلبين على الدستور والميثاق والعيش المشترك والطائف، بجيوب فارغة من أوراق القوة، وبخطاب يمزّق النسيج الوطني في لحظة تتطلب أقصى درجات التماسك. التاريخ يعلمنا أن الأدوار الوظيفية، مهما بلغت درجة إتقانها أو حظيت بدعم خارجي، تتبخر أمام ثبات الميدان ووعي أهل المقاومة الذين يعرفون جيداً الفرق بين “سلام الكرامة” وبين “استسلام التبعية”. لقد سقطت مشاريع “الشرق الأوسط الجديد” بنيران المدافع، ولن تمر اليوم ببيانات الدبلوماسية المذلّة أو بقرارات سحب الشرعية عن المدافعين عن الأرض. يبقى الرهان اليوم على قدرة اللبنانيين في كشف هذه “المقاولات السياسية” التي تبيع السيادة تحت مسميات براقة؛ فهل يدرك المراهنون على الانقلاب الوظيفي أن زمن فرض الإرادات الخارجية بالوكالة قد ولّى إلى غير رجعة، أم أنهم سيستمرون في الهروب إلى الأمام حتى الارتطام الأخير بحقيقة أن الأرض لا ينطق باسمها إلا من حرّرها؟