المؤرخ اللبناني فواز طرابلسي يفكك وينتقد خيارات السلطة اللبنانية في التعامل مع الهدنة الأخيرة ومسألة السلاح
في مقابلة مع الصحافي آدم شمس الدين على قناة "الجديد" بتاريخ ١٧ نيسان، تحدّث المؤرّخ اللبناني فوّاز طرابلسي عن الأزمة الحالية في البلد، مفككًا ومنتقدًا خيارات السلطة في التعامل مع الهدنة ومسألة السلاح. وطرابلسي هو من الذين أطلقوا جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية عام 1982.
يرى فواز طرابلسي أن اتفاق وقف الأعمال العدائية الأخير ليس مجرد هدنة تقنية، بل يحمل تحولاً سياسياً وقانونياً خطيراً في تعريف العلاقة بين لبنان و"إسرائيل"، وفي موقع الدولة اللبنانية من الصراع. ويعتبر أن الدولة تصرفت بمنطق أحادي ومتبسّط، وتعاملت مع حزب الله وكأنه مجرد “سلاح غير شرعي” يجب نزعه، من دون أي مقاربة سياسية داخلية، ومن دون الاستفادة من عناصر القوة الإقليمية المتاحة للبنان، ولا سيما علاقته بإيران. وفي رأيه، فإن الهدنة نفسها لم تكن ثمرة “نجاح دبلوماسي لبناني” بقدر ما كانت نتاجاً للمفاوضات الأميركية–الإيرانية الأوسع.
أولاً: أخطر ما في نص الاتفاق
أكثر ما يلفت طرابلسي في نص الهدنة هو ثلاثة عناصر:
أن الاتفاق يكرّس حق "إسرائيل" في الدفاع عن نفسها، وحقها في الرد، وأنه يتضمن صياغة تفيد بأن لبنان و"إسرائيل" لم يعودا في حالة حرب أو عداء. ويعتبر أن هذا ليس مجرد تفصيل لغوي، بل إشكالية دستورية وقانونية كبرى، لأن تعريف "إسرائيل" كعدو في لبنان لا يمكن تجاوزه أو تعديله إلا عبر المؤسسات الدستورية، ولا سيما مجلس النواب. لذلك يستهجن مرور هذا الأمر من دون اعتراض سياسي وقانوني واسع كما حصل سابقاً في ملفات أخرى مثل ترسيم الحدود البحرية.
ثانياً: الهدنة ليست نتيجة مسار لبناني مستقل
الحجة المركزية عند طرابلسي هي أن وقف إطلاق النار لعشرة أيام أتاحته المفاوضات بين واشنطن وطهران، لا اللقاءات اللبنانية–الإسرائيلية بحد ذاتها. وبحسب قراءته، فإن الولايات المتحدة قدّمت هذا الترتيب في لبنان كجزء من إدارة ملف أكبر يتصل بإيران والخليج والممرات المائية والتوازنات الإقليمية. لذلك يعتبر أن وهم “حل المسار اللبناني بمعزل عن إيران” سقط عملياً، لأن ما جرى أثبت أن الساحة اللبنانية محكومة بالتفاوض الأميركي–الإيراني، شاء اللبنانيون ذلك أم أبوا.
ثالثاً: نقد حاد لمقاربة الدولة تجاه حزب الله
يقول طرابلسي إن الدولة اللبنانية ارتكبت خطأً أساسياً عندما قرأت نتائج الحرب على أنها هزيمة كاملة لإيران وحزب الله، وبنت على ذلك سياسة تستند إلى نزع الشرعية عن الحزب، والارتماء في الحضن الأميركي، وقطع أو إضعاف الصلة مع إيران. في رأيه، هذا السلوك لم ينطلق من قراءة واقعية لموازين القوى، بل من رهان سياسي على تبدل التحالفات من دون امتلاك أدوات القوة اللازمة. كما يعتبر أن الدولة، حين نزعت عن الحزب صفة “المقاومة” وتعاملت معه فقط كعبء أمني، التقت عملياً مع الخطاب الإسرائيلي الذي يجعل نزع سلاح الحزب هو المدخل الرئيسي لأي تسوية.
رابعاً: لا يمكن معالجة ملف السلاح أمنياً فقط
يرفض طرابلسي مقاربة “جمع السلاح” بوصفها مقاربة قانونية أو أمنية صرفة. وهو يرى أن حزب الله ليس مجرد تنظيم مسلح يمكن حله بقرار إداري أو أمني، بل هو نتاج تاريخ سياسي وعسكري واجتماعي، ويمثل شريحة لبنانية كبيرة لها موقعها ومطالبها في النظام السياسي. لذلك، فإن أي معالجة جدية لملف السلاح يجب أن تكون تسوية سياسية تتضمن نقاشاً في موقع هذا المكوّن داخل الدولة، وفي دوره المستقبلي في الدفاع الوطني، لا مجرد مطالبة مجانية بتسليم السلاح من دون مقابل سياسي أو ضمانات أو صيغة بديلة.
خامساً: الدولة لم تحاول حتى بناء حد أدنى من التفاهم الداخلي
من أبرز ما ينتقده طرابلسي أن السلطة اللبنانية لم تسعَ حتى إلى جمع الحد الأدنى من القوى الممثلة للرأي العام قبل الذهاب إلى خيارات كبرى من هذا النوع. وبرأيه، كان يفترض أن تفتح نقاشاً وطنياً صريحاً حول كيفية التفاوض، وحدود التنازل، وشكل التسوية، والاستراتيجية الدفاعية، بدل تقديم الأمر وكأنه قرار تنفيذي فوقي لا يحتاج إلى حوار داخلي. وهو يرى أن هذا الغياب للتفاهم الداخلي يجعل الدولة أضعف في التفاوض لا أقوى.
سادساً: الجيش ليس أداة مناسبة لحسم النزاع الداخل
يحذّر طرابلسي من الرهان على الجيش اللبناني كأداة لفرض نزع السلاح بالقوة. فهو يشير إلى أن المؤسسة العسكرية نفسها تدرك حدود هذا الخيار، وأن تحويل الجيش إلى طرف في مواجهة داخلية سيضعه أمام اختبار خطير. كما ينتقد الطرح الأميركي الذي يتحدث عن دعم الجيش كي “يفرض نفسه” على حزب الله، معتبراً أن هذا الدعم لا يهدف إلى بناء قوة دفاع وطني ضد "إسرائيل"، بل إلى تحويل الجيش إلى أداة في صراع داخلي على السلاح، بينما لا يُمنح ما يكفي من مقومات الدفاع الفعلي عن لبنان.
سابعاً: العلاقة مع إيران ليست تفصيلاً يمكن شطبه
من النقاط الأساسية في كلامه أن إيران، بغض النظر عن الموقف السياسي منها، أثبتت خلال الحرب أنها ليست مجرد قوة إقليمية عابرة بل طرف دولي مؤثر في معادلات المنطقة. لذلك يعتبر أن قطع العلاقة معها أو التعامل معها بوصفها عبئاً فقط هو سوء تقدير استراتيجي. وفي قراءته، حتى من منظور المصلحة اللبنانية البحتة، كان يفترض على الدولة أن تعرف كيف توظف هذه العلاقة كورقة قوة، لا أن تتعامل معها كأنها تفصيل يمكن شطبه لإرضاء واشنطن.
ثامناً: المطلوب بديل سياسي ودفاعي لا مجرد شعار نزع السلاح
في خاتمة طرحه، لا يدافع طرابلسي عن بقاء الأمور على حالها، لكنه يقول إن أي بديل جدي يجب أن يقوم على رؤية لمستقبل المقاومة المسلحة داخل مشروع دفاع وطني، وعلى تطبيق حقيقي لاتفاق الطائف أو تعديله ضمن المؤسسات، وعلى نقاش في إلغاء الطائفية السياسية، وفي تمثيل المكونات اللبنانية، وفي موقع حزب الله داخل صيغة جديدة. أما الاكتفاء بشعار “حصر السلاح” من دون تسوية سياسية، ومن دون تعريف واضح للدفاع الوطني، ومن دون ضمانات أو مقابل، فهو في رأيه وصفة لأزمة أكبر لا لحل.
الخلاصة النهائية
خلاصة طرابلسي هي أن الدولة اللبنانية تعاملت مع الهدنة ومع ملف السلاح بمنطق الرهان الكامل على الولايات المتحدة، وبمنطق القفز فوق التعقيد الداخلي اللبناني، فيما كانت الوقائع نفسها تثبت أن وقف النار جاء عبر توازنات تفاوضية أميركية–إيرانية، لا عبر قوة الدولة اللبنانية وحدها. لذلك، فإن الخطر في نظره لا يقتصر على بنود الاتفاق، بل يمتد إلى طريقة تفكير السلطة نفسها: سلطة تريد حلاً أمنياً لمشكلة سياسية وتفاوضية وتاريخية معقدة، من دون أن تبني إجماعاً داخلياً أو تحسن استخدام أوراق القوة المتاحة لها.