معضلة وزيرة التربية: إدارة تقنية لأزمة وطنية
بقلم: بلال السيد
(باحث تربوي ومحاضر في التربية)
ليست التربية في لبنان اليوم قطاعًا إداريًا يمكن عزله عن سياقاته، بل هي مرآة مكثفة لأزمة وطنية ممتدة: حرب ونزوح، وانهيار اقتصادي، وتآكل تدريجي في قدرة الدولة على إنتاج الحد الأدنى من الاستقرار. داخل هذا المشهد، تتقدم وزارة التربية بوصفها إحدى آخر المؤسسات التي يُطلب منها أن تُبقي “النظام قائمًا” مهما تغيّر كل شيء حوله.
في هذا السياق، تأتي تجربة ريما كرامي بوصفها محاولة إصلاح جريئة لإدارة قطاع بالغ التعقيد بأدوات يغلب عليها الطابع التقني والإداري. لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: ماذا أُنجز؟ بل أيضًا: بأي منطق تُرتَّب الأولويات حين تتزاحم القيم تحت ضغط الأزمة؟
ليست المشكلة في المبادئ… بل في ترتيبها
لا خلاف على المبادئ الكبرى التي يُفترض أن تحكم أي سياسة تربوية. مثال ذلك دراسة حالة قرار التعليم في ظل الحرب والامتحانات الرسمية، والتي تتلخص مبادئها في:
الأمان الجسدي والنفسي للطلاب، والعدالة التربوية بين المتعلمين، والحفاظ على الشهادة الرسمية، والحفاظ على المستوى الأكاديمي، والدعم النفسي والتربوي للطلاب.
لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود هذه المبادئ، بل في ترتيبها عند لحظة القرار.
فترتيب الأولويات ليس تفصيلًا تقنيًا، بل هو ما يحدد طبيعة السياسة التربوية نفسها: ما يُقدَّم، وما يُؤجَّل، وما يُضحَّى به ضمنيًا.
واختلاف هذا الترتيب لا يؤدي إلى اختلافات جزئية في التنفيذ، بل إلى اختلافات جوهرية في معنى العدالة نفسها.
ما الذي حاولت الوزيرة القيام به؟
يمكن تسجيل مجموعة من النقاط التي شكّلت عناوين أساسية في أداء الوزارة:
• السعي إلى الحفاظ على استمرارية العام الدراسي ومنع انهيار القطاع التربوي.
• تثبيت قيمة الشهادة الرسمية بوصفها ضمانة للقطاع التعليمي.
• الحفاظ على المستوى الأكاديمي قدر الإمكان، ومحاولة الكشف عن الفقدان التعليمي وردمه ببرامج دعم.
• اعتماد مقاربة التشاور مع أصحاب المصلحة والمجتمع التربوي المباشر، وإهمال الرأي العام التربوي باعتباره غير تخصصي، وهو ما يجب أن تُصغي إليه كمتخصصة بدل أن تنقاد له.
• اعتماد الأرقام والإحصاءات والدراسات لدعم رؤيتها ومقاربتها التربوية، بوصفه نوعًا من مفهوم القرار المستند إلى البيانات.
وهذه الجهود، في حد ذاتها، تعبّر عن محاولة جدية لمنع التفكك الكامل للنظام التربوي في لحظة انهيار عام.
مقارنة نقدية مع تجربة سابقة
عند المقارنة مع تجربة الوزير السابق عباس الحلبي، تبرز مفارقة لافتة: إدارة لم تكن “تقنية” بالمعنى الأكاديمي الصرف، لكنها استطاعت، في لحظات الانهيار الاقتصادي والحرب، أن تُبقي القطاع قائمًا بكفاءة عملية لا يمكن تجاهلها، ما يفتح باب التساؤل حول العلاقة بين التخصص التقني وبين القدرة الفعلية على إدارة الأزمة.
ويبرز هذا التناقض في ظل النقد الدائم الذي توجهه الوزيرة لسلفها، حيث لا تتوانى عن التعبير بأنها استلمت وزارة يشوب عملها الفساد، بالرغم من أن فريق المستشارين الذي أدار العمل في الوزارة أيام الوزير الحلبي قد بقي، بمعظمه، يدير الملفات مع الوزيرة الجديدة، بل مع أدوار متضخمة نتيجة محاولة الوزيرة تهميش المديرين والموظفين الأصيلين الذين تعتبرهم فاسدين.
الهدف هنا ليس المقارنة بين وزيرين، بل بين مقاربتين. وسأكتفي بمؤشر وحيد أعلنته الوزيرة نفسها في حفل التسلم والتسليم حين تحدثت عن عدم ثقة الناس بالوزارة معيارًا لنجاح أي مقاربة إصلاحية تربوية.
وبالفعل، نطرح هنا السؤال المؤشر: هل الناس تثق أكثر بتجربة ريما كرامي وما تمثله من نهج تربوي، أم تثق بالوزير الحلبي الذي وُسمت تجربته بالمرونة العالية والقدرة على امتصاص الصدمات والحوار والنفس الطويل لتحقيق الأهداف؟ أم ربما لا تثق بالتجربتين معًا؟
وبالعودة إلى المبادئ، نطرح السؤال الأساس: أين حصل الاختلال في ترتيب الأولويات؟
يبدو أن ثقل القرار التربوي قد انحاز بشكل واضح نحو مبدأين: الحفاظ على الشهادة، والحفاظ على المستوى الأكاديمي.
في المقابل، تراجع نسبيًا حضور مبادئ أخرى في اتخاذ القرار، مثل سلامة المتعلمين والخطر على حياتهم، والعدالة التربوية بمعناها الواقعي، والأمان النفسي والاجتماعي للطلاب في ظل الحرب والنزوح.
فكانت النتيجة شعورًا متزايدًا بأن الطلاب يُخاطَبون بمنطق المساواة الظالمة والمعايير الثابتة، في حين أنهم يعيشون واقعًا غير متكافئ.
وهنا تتبلور المفارقة: كيف يمكن تحقيق عدالة تربوية في ظل مقاربة لا تلحظ الأولويات بالشكل الصحيح؟
بين المبدأ والخطاب: فجوة التواصل مع المجتمع التربوي
ولا يقتصر أثر هذا الترتيب على مستوى السياسات فقط، بل يمتد إلى طريقة الخطاب والتواصل مع المجتمع التربوي.
إذ يسود أحيانًا شعور داخل الجسم التربوي بأن الخطاب الرسمي يأتي من برج معرفي، من “برج الأرقام والدراسات”، حيث تُقدَّم السياسات بوصفها نتائج علمية دقيقة للدراسات، في حين يبدو الواقع التربوي اليومي أكثر تعقيدًا وتشابكًا من أن يُختزل في بيانات صُمِّمت من قِبل هواة في إدارة الشأن العام، ومستشارين لا يتحملون عواقب استشاراتهم، وأكبر تجربة إدارية خاضوها لا تعدو كونها بحثًا هنا، أو مشروعًا صغيرًا يدير خمسة أفراد هناك.
ويعبّر بعض الفاعلين التربويين عن شعور بأن هذا الخطاب، رغم لبوسه العلمي، يظل قريبًا من مجتمع الأكاديميين واستقطاب المانحين، لكنه بعيد نسبيًا عن لغة المكابدة اليومية التي يعايشها المعلمون والطلاب والأهالي، حيث الألم والقلق والمعاناة والمخاطر على الحياة لا تُختزل بسهولة في أدوات القياس ومؤشرات الأداء.
كما أن بعض المواقف الإعلامية التي ظهرت فيها الوزيرة تحت ضغط الأسئلة المباشرة قُرئت لدى البعض على أنها تعكس تحديًا في قدرتها على إدارة الانفعال وضبط الخطاب، وهو ما يسلط الضوء على “الذكاء العاطفي” في التواصل مع جمهور يعيش أصلًا توترًا وجوديًا يوميًا.
كما يجب الانتباه ألّا يكون المتعلمون ضحايا جانبية لمعارك الوزيرة للإصلاح ومحاربة الفساد أو التدخلات السياسية التي تدعيها، فبين الاثنين شعرة؛ إن قطعتها الوزيرة تكون قد ضحّت بالأهم على حساب المهم، أي ضحّت بمصلحة المتعلم الذي يفترض أنها تخوض من أجله، معركة القرار التربوي. وهذه من الأخطاء المعتادة التي يقع فيها التقنيون الذين لا يعرفون متى وكيف يخوضون معاركهم، وما هي حدود الإصلاح التي إن تخطيناها نكون قد استُدرجنا إلى أولويات أخرى.
الإشكالية الفكرية: الإنسان أم النظام؟
فهل وُجد النظام التربوي لحماية نفسه، أم لحماية الإنسان الذي يتعلم داخله؟ فالعدالة، في هذا السياق، لا تعود مجرد مساواة شكلية، بل قدرة على الاعتراف بأن الظروف غير متساوية أصلًا، وأن المعايير الموحدة قد تتحول، في لحظات معينة، إلى شكل من أشكال الظلم المقنن.
حين يُقدَّم معيار الشهادة، تميل السياسات نحو الصرامة والتوحيد. وحين يُقدَّم الإنسان، تميل نحو المرونة والتفريد.
وبين هذين الاتجاهين، تتحدد طبيعة النظام التربوي نفسه: هل هو نظام بيروقراطي يحمي المؤسسات والمعايير؟ أم نظام يحاول إنتاج العدالة في ظروف صعبة وغير عادلة؟
ومن المهم الاعتراف بأن المقاربة المعتمدة ساهمت في منع انهيار شامل للقطاع التربوي، وحافظت على حد أدنى من انتظام العملية التعليمية في ظروف بالغة الصعوبة.
لكن، في المقابل، بقيت إشكالية العدالة التربوية مفتوحة، وظل الطابع التقني حاضرًا بقوة في مقابل الحاجة إلى مقاربة أكثر إنسانية في لحظات مفصلية.
خاتمة: بين التقنية والحكمة
هذا التحليل لا يسعى إلى اختزال التجربة في حكم جاهز أو قراءة أحادية. فإدارة التربية في لبنان تتم داخل دولة منهكة، وحدود الممكن فيها ضيقة ومعقدة.
لكن تبقى الحقيقة الأساسية أن الأزمة التربوية ليست أزمة أدوات فقط، بل أزمة ترتيب مبادئ تدعم اتخاذ القرار والقيم التي توجهه.
في النهاية، تواجه ريما كرامي معادلة صعبة: الحفاظ على نظام تربوي قائم، في وقت يطالب فيه الواقع بإعادة تعريف هذا النظام من جذوره.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل تكفي التقنية حين تصبح التربية نفسها ساحة أزمة وطنية مفتوحة، أم أن الحكمة — أي القدرة ترتيب المبادئ حين تتصادم — هي ما يصنع الفارق الحقيقي بين إدارة الأزمة وإعادة إنتاجها؟