هل يصحّ شطب مصطلح "مقاومة" بتعميم إداري وبالتالي ملاحقة المقاومين سنداً للفقرة الأولى من المادة 288 من قانون العقوبات؟

بعد قرار الحكومة في 2 آذار 2026، في ظل العدوان الإسرائيلي الواسع على لبنان، حظر الأعمال العسكرية للمقاومة، أُوقف مقاومون وحوكموا أمام القضاء، ووجّه وزير الإعلام "بول مرقص" تعميمًا إلى المؤسسات التابعة للوزارة أوجب من خلاله شطب مصطلح "مقاومة" من التداول الرسمي. فهل تعتبر هذه الإجراءات قانونية؟!

أولًا: تعميم مرقص

- يلفت الخبير الدستوري الدكتور "جهاد اسماعيل"، في حديث إلى منصّة "بيروت ريفيو"، إلى أنّ "المادة 65 من الدستور تُوجب على الحكومة السهر على تنفيذ القانون، وبحسب القانون، رقم 1/2008، فإنّ لبنان منضم إلى الميثاق العربي لحقوق الإنسان الّذي يشير في الفقرة الرابعة من مادته الثانية إلى حقّ الشعوب في مقاومة الاحتلال الأجنبي.

- هذا الأمر يعني أنّ عبارة "المقاومة" أُدخلت في صلب الحياة التشريعية، وبالتالي أيّ إرادة جديدة في تبديدها أو إزالتها يتطلّب، بالضرورة، قانوناً جديداً، وليس قرار أو تعميم، ما دام أنّ احتلالاً في لبنان حيث يُجيز النص في مقاومته لا في مهادنته ، علاوةً على أنّ وزير الإعلام، كوزير مختص، مؤتمن، بالدرجة الأولى، على تطبيق القوانين والأنظمة في ما يتعلق بأمور وزارته.

ثانيًا - ملاحقة المقاومين

وحول ملاحقة المقاومين بجرم خرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب وفق الفقرة الأولى من المادة 288 من قانون العقوبات كما تزعم مصادر قضائية، يشير اسماعيل إلى أنّه:

-  من الثابت أنّ اتفاقية لاهاي لعام 1907 كمصدر هام من مصادر القانون الدولي الإنساني العرفي، والتي نظّمت مبدأ الحياد الوارد في قانون العقوبات، ترسم واجبات على الدولة المحايدة ومنها الامتناع عن الاشتراك في الحرب وعدم السماح باستخدام أراضيها ومعاملة جميع أطراف النزاع على قدم المساواة، لكن، في المقابل، تفرض حقوقاً لا يجوز المساس بها ومنها التزام الدول المتحاربة احترام سيادة الدولة الحيادية وعدم القيام بأيّ أعمال عدائية على أراضيها، وموافقة دول الجوار ، وهذا ما لا يمكن تأمينه بسبب انتهاج “إسرائيل”، كدولة من الجوار، العدوان المتكرر على لبنان وأراضيه.

- هذه الواجبات تعني أنّ التزام لبنان الحياد مقابل عداء دولة من الجوار يخلّ بحقّ الدولة المنصوص عنه في الاتفاقية الدولية، فضلاً عن أنّ السير بنص المادة 288 بمعزل عن أحكام اتفاقية 1907، يعطّل دور الدولة وهو الدفاع عن المجتمع. ويصبح هذا الموضوع أكثر إلحاحاً في ظروف استثنائية كالحرب، على اعتبار أنّ زمن الحرب يستوجب تدابير أو مسؤوليات استثنائية وإضافية لا التخلّي عن مسؤوليات تعتبر، أصلاً، طبيعية في الزمن العادي.

- إعمال النصوص، يعني منحها كلّ مفاعيلها، وهذه المفاعيل لا تتوقف عند حدود مادة قانونية بمعزل عن مواد أخرى، بحيث أنّ المادة الثانية من أصول المحاكمات المدنية تنصّ على أنّ المحاكم ملزمة بالتقيّد بمبدأ تسلسل القواعد، بحيث أنّ تعارض أحكام المعاهدات مع أحكام القانون العادي، تتقدّم في مجال التطبيق، الأولى على الثانية، وعلى هذا النحو استقرّ التطبيق في القضاء العدلي بسمو المعاهدة على القانون، مما يعني أنّ أحكام اتفاقية لاهاي للعام 1907، الملزمة أساسا للبنان و"إسرائيل"، تُفرض على تفسير أحكام المادة 288 من قانون العقوبات عدا الاتفاقية المشار إليها، لا *تتضمّن تفسيرية لا متعارضة* إن جاز التعبير، الأمر الّذي يؤدي إلى استبعاد الصفة الجرمية عن سلوك المقاومين الذين صدّوا عدواناً قرّرت الدولة، أصلاً، بقواها الذاتية عدم مواجهته، بل بإزالة كلّ وسائل الدفاع بوجهه، عوضاً عن دفعه بالوسائل القانونية المكفولة في قانون الدفاع الوطني وأحكام المرسوم الاشتراعي رقم 52/ 1967".

- على قاعدة "إعمال النص خير من إهماله" فلا يجوز، بحسب المادة الثانية من الدستور اللبناني، التخلي عن أحد أقسام الأراضي اللبنانية أو التنازل عنه، وبالتالي فإنّ تطبيق الحياد بشكله المطلق، وبمعزل عن المادة الثانية من الدستور أو اتفاقية لاهاي، أو بمعزل عن واقع الاحتلال في أجزاء من الجنوب اللبناني، فيقود إلى سلخ سيادة الدولة عن جزء من الأرض اللبنانية، وهو أمرٌ حظّرته المادة 302 من قانون العقوبات بعقوبة الاعتقال المؤبد، مما يعني أنّه لا تجوز مقاربة قانون العقوبات من مادة بشكل مستقل تماماً عن سائر المواد، بحيث أنّ حياد الدولة يجب أن يتوقف عند حدود مزاحمتها على أرض من أراضيها، وفي حال قرّرت التخلي عنها، ولو ضمنياً، فيعني أنّها تتخلّى عن بسط سيادتها على كلّ الأراضي اللبنانية، عندئذٍ يحقّ للشعب، وهو الأصيل وصاحب السيادة بحسب الفقرة "د" من مقدمة الدستور، أن يتولى الدفاع عن حقّه الأصلي الّذي تنازل عنه الوكيل (المؤسسات الدستورية) وذلك من خلال إزالة وسائل الدفاع عن السيادة".

منشورات ذات صلة