رد الحزب في هذا التوقيت سلوك عقلاني بحسابات استراتيجية وليس عقائدية
الباحث فادي يونس
“لن أخوض في نقاش يحاول تصوير الحرب وكأنها مواجهة بين معسكر إنجيلي-صهيوني من جهة وجبهة عقائدية مهدوية من جهة أخرى. برأيي هذا نقاش تبسيطي ومضلِّل (وحقير بطبعه)، وغالبًا يُستخدم لتبرير موقف حيادي بلا مسؤولية أخلاقية. خصوصًا أن الحزب (وكذلك إيران) تاريخيًا كانا فاعلين سياسيين عقلانيين، استخدما الرموز المهدوية والتراث العاشورائي كأدوات تعبئة وتثوير، لا كبديل عن الحسابات السياسية والاستراتيجية.
بعيدًا عن العاطفة، وعن الثمن الاقتصادي-الاجتماعي الكبير الذي تدفعه البيئة الشيعية، وعن الحزن الناتج عن خسارة الشهداء، يمكن ملاحظة أمر أساسي: هذه الحرب تُظهر جانبًا من السلوك العقلاني للحزب. فخلال نحو خمسة عشر شهرًا تلقّى ضربات قاسية، وتعرّض المجتمع الشيعي لنوع من الإذلال المنظّم من قبل العدو، يقابله تجاهل واضح من الداخل (النظام السياسي).
ومع ذلك اكتفى الحزب في معظم الوقت بإصدار البيانات وعدم فتح الجبهة. السبب بسيط: فتح الجبهة في تلك المرحلة كان سيضعفه أكثر ويزيد القيود عليه، وربما يدفع في النهاية إلى اتفاق أكثر إذلالًا، في وقت قد يجد نفسه فيه محاصرًا من سلطة سياسية تسعى، لأول مرة بعد الطائف، إلى استهدافه تحديدًا.
ضمن هذا السياق، تبدو الحرب على إيران بالنسبة إليه كأنها حبل خلاص استراتيجي. فلو بقي خارج المواجهة، ستُفتح الجبهة لاحقًا بعد انتهاء الحرب على إيران، ويُفرض عليه ما لا طاقة له ولا لبيئته بتحمّله.
باختصار، من هذه الزاوية، عدم الدخول في الحرب قد يعني عمليًا إنهاء الحزب وفق الرؤية الصهيونية.
لذلك يُقدَّم دخول الحرب بوصفه خيارًا عقلانيًا: قد يعيد خلط الأوراق، وربما يحدّ من مفاعيل الضربات السابقة مثل الاغتيالات، ويفتح المجال لتوازن جديد يمكن أن يؤسس لاحقًا لعقد اجتماعي مختلف مع بقية المكونات اللبنانية.
• هذا النص منقول عن صفحته على “فيسبوك”