نسف الحجارة.. خطة العدو لطمس التاريخ والذاكرة
بقلم: بلال خريس
(كاتب وباحث لبناني)
"الحجر بيرجع يتعمر".
جملة تختصر حالة الإنكار التي يعيشها أهالي المناطق المنكوبة، وهم يتهربون من ألم فقدان منازلهم التي لم يتبقَّ منها سوى رماد ممزوج برائحة البارود والدم. يتعاملون مع الأمر وفق قاعدة بديهية مفادها أن الحجر، مهما بلغت قيمته، يبقى أقل شأناً من الإنسان، وأن الحزن على خسارته أمر يمكن احتماله وهضمه وتجاوزه مع الوقت.
لكن هذه النظرية "الحجرية" ــ ولسخرية القدر ــ تحمل الكثير من القسوة، وتنطوي على خيانة غير مقصودة ونكران جميل لذاكرة كاملة، وللحظات كان فيها "الحجر" الأساس الذي تشكّلت فوقه هويتنا وتكويننا.
الحجر: الهوية والجذور
يتجاوز الحجر كونه مجرد "شيء" أو جمادٍ صامت، ليرتقي إلى مرتبة وعيٍ حيّ يجسد تاريخاً كاملاً ومنظومة من المعتقدات والثوابت. ومع مرور الوقت، يصبح مرآة تعكس القيم التي نحملها وندافع عنها ونتربى على أساسها.
فتشمّ التفاني في العمل عند رؤية حجر صُمّم بإتقان ودقة متناهية، وتلمس الصدق وروح التعاون في تلاحم البلاط المتراص. وقد تستشعر التسامح في حجرين غير متساويين جمعهما الجدار، وترى في ارتفاع الطوابق كيف يتجلى الأمل والطموح، وتدرك معنى الصمود في بوابات الحديد الثقيلة.
ترى التضحيات وآثار العرق في كل حجر وزاوية وجدار. كأن صاحب الدار، وهو يرسّخ أساساته عميقاً في الأرض، يسعى إلى استنساخ علاقة الشجر بجذوره؛ ارتباطاً متجذراً لا تقتلعُه الرياح ولا تهزّه العواصف. هناك تتشكل نواة هويتنا، وهناك يبدأ معنى الانتماء.
الحجر: الذكريات
تحتضن جدران الدار شريطاً طويلاً من الذكريات واللحظات والمشاهد التي تطفو على سطح الذاكرة عند كل مناسبة وأثناء كل حديث، مسترجعةً صوراً توقظ الحنين إلى أيام نادرة في دفئها وبريقها.
كل قطعة أثاث، وكل حجر في المنزل، يهيّج العقل الباطني ويطلق العنان لمخزون لا ينتهي من الأحاسيس والمشاعر. هناك يتزاوج المكان بالزمان، فيجد الإنسان نفسه في رحلة عبر العمر، تمر أمامه مقتطفات من مسلسل الطفولة والمراهقة كأنها تُعرض من جديد.
تصبح "السطيحة" الإسمنتية مرادفة للحظات الفرح العارمة حول طاولة الورق مع أبناء العم، وتحمل تشققات سقف البلكون في طياتها همسات السهرات الطويلة وأحاديث الليالي التي كانت تمتد حتى الصباح.
الخيام
أكتب هذه الكلمات بعدما وصلنا الخبر المؤجل: راح بيت الخيام.
كلمات ثقيلة تضعك تحت وطأة صدمة تشعر وكأنها أزلية. تُصاب مشاعرك بالشلل، ويبتلعك فراغ داكن لا يشبه شيئاً.
صمد بيتنا في الحي الشرقي من مدينة الخيام طوال السنوات الثلاث الماضية، رغم كل ما أصاب المدينة من تدمير وتشويه. كان صموده أشبه بمعجزة إلهية بعدما دُمّر الحي بأكمله. وبعد انتهاء حرب 2024، ظننا أنه "زمط"، ولو مؤقتاً، وتمسكنا بخيوط أمل شبه ممزقة.
لم نهنأ في هذا البيت كثيراً، فقد حرمنا الاحتلال من زيارته حتى عام 2000، ثم ندرت الزيارات قسراً بسبب الهجرة. وعلى الرغم من ذلك، تعلقت الروح بالبيت تعلقاً يصعب تفسيره. أصبح كل تفصيل حكاية وذاكرة: الشبابيك، والأثاث، والإضاءة الطبيعية، والهواء، وزحمة الحي، والسطح، والزيارات، وموائد الغذاء. ذكريات نُسفت في لحظات.
أكتب اليوم ونحن نشاهد بأعيننا، في بث مباشر، عمليات نسف وتدمير ممنهجة للمنازل والحسينيات والطرقات والجوامع والمحال. ومع سقوط الحجر، تختفي الهوية والجذور والثقافة والتاريخ والمجتمع.
هذا ليس مجرد حجر، بل شيء يوازي في قيمته أرواح من ارتقوا دفاعاً عنه. حجر مثقل بحكايات الصمود والتضحيات، تماماً كمعتقل الخيام.
اشتهرت الخيام بالمعتقل، وللأسباب الخاطئة طبعاً. لكنه أصبح الترجمة الحرفية لعبارة: "الحيطان لو بتحكي".
يكفي أن تدخل إلى زنازينه وممراته، أو تمر بالقرب من بواباته وساحاته، حتى تسمع حكايات الحجارة وأحاديثها. تنظر إلى بوابة فتسمع صدى صرخات المعتقلين وهم يناشدون الحرية. ترى عمود التعذيب في الساحة فتظهر أمامك ومضات لمعتقل مكبل اليدين يستغيث. وتكاد تسمع آهات الألم والعذاب معلقة في الفضاء.
هناك، تُفعَّل جميع الحواس لمجرد رؤية الحجر.
هذا مدى أهمية الحجر.
وهذا مدى خطورة ما يحصل في الجنوب.
فالعدو يدرك تماماً أثر خطته؛ فبسقوط الحجر يسقط الوعي، ويُطمس التاريخ، وتُقتلع الذاكرة من جذورها.
لكن مهما حاول، لن يستطيع تدمير الأرض والانتماء والجذور. لن تفنى الجغرافيا. ستظل هذه البقعة من العالم راسخة في الوجدان والضمير، وستتوارثها الأجيال، إلى حين العودة وبناء الحجر من جديد... ليشهد على صناعة ذكريات جديدة في البقعة نفسها.