مراسل الجنوب علي شعيب: أبناء الأرض يقاتلون في القرى الأمامية بعد أن هجرتها الدولة.. كمائن وصليات صاروخية والتحام بطولي

كتب المراسل الحربي علي شعيب حول المجريات الميدانية في البلدات الحدودية في ظل عمليات التوغّل الإسرائيلية منذ بداية المواجهات:

* لا يخفى على أحدٍ ما جرى بعد بدء سريان قرار وقف إطلاق النار الذي التزمت به المقاومة ولم يلتزم به العدو. حينها كانت تتراوح سيطرة العدو على بلدات الخط الأول بين 40٪ إلى 70٪ من كل قرية، بسبب الصمود الأسطوري والاستشهادي للمقاومين الذين استطاعوا إيقاف غزو خمس فرق إسرائيلية عند حدود هذه القرى. ولم يتمكن العدو من السيطرة الكاملة إلا على عدد محدود منها، بينما عجز عن بسط سيطرته على نصف هذه البلدات عند وقف إطلاق النار. وتمكّنت مجموعات من المقاومين من الخروج سالمة من هذه القرى بعد مواجهات ضارية استخدم فيها العدو كل قدراته العسكرية الجوية والبرية على مدى 66 يوماً.

* بعد وقف إطلاق النار، وخلال فترة الهدنة الأولى التي استمرت 60 يوماً، بدأ جيش العدو باستكمال السيطرة على بقية الأحياء في القرى الأمامية التي لم يستطع دخولها أثناء المواجهات، ومنها مدينة الخيام نموذجاً. فأكمل اجتياحها بالجرافات والدبابات تحت غطاء ناري بالرشاشات والقذائف، رغم التزام لبنان بوقف إطلاق النار، ووصل إلى وادي السلوقي، وبدأ عملية تفجير وإبادة للمنازل والممتلكات، ودمّر بلدات حدودية بأكملها.

* بعد انسحاب قوات الاحتلال، وإبقائه على خمس مواقع رئيسية داخل الأراضي اللبنانية، وهي (تلة الحمامص – هونين – جبل الباط – جبل بلاط – اللبونة)، ومع دخول الأهالي، انتشر الجيش اللبناني في البلدات الحدودية وأعلن المنطقة خالية من السلاح. لكن ذلك لم يمنع العدو من استمرار عدوانه بالمسيرات والمروحيات والتوغلات البرية إلى داخل القرى وتفجير المنازل من دون أي رادع، وبقيت هذه القرى تحت احتلال مقنّع.

* مع بداية المواجهات الأخيرة بدأ العدو غاراته الجوية وقصفه المدفعي، وأصبح إفراغ المنطقة أمراً واقعاً بعد النزوح القسري لأهلها، واكتمل ذلك بإعلان الجيش اللبناني انسحابه من كامل هذه القرى. استغلّ جيش الاحتلال فراغ البلدات الحدودية، فبدأ التحرك بدباباته نحو بعض النقاط داخلها، على غرار ما كان يفعله خلال ساعات الليل أثناء وجود الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل الدولية. ليصطدم بواقع جديد في تل النحاس شمال بلدة كفركلا عندما استهدفت المقاومة ثلاث دبابات ميركافا بالصواريخ الموجهة من خارج المنطقة، فتراجع إلى نقاط خلفية. ثم حاول مرة أخرى انطلاقاً من تلة الحمامص باتجاه جنوب مدينة الخيام، واصطدم حينها بعبوة ناسفة واشتباك مباشر داخل الحي الجنوبي، فتراجع إلى نقطة وادي العصافير الخلفية. وتكرر المشهد في بلدة مركبا قرب الموقع المستحدث.

ومنذ ذلك الوقت بدأ جيش العدو بحشد عشرات الدبابات عند حدود القرى، وبدأ بعمليات توغل محدودة في البلدات الحدودية بغطاء ناري كثيف من الغارات الجوية والقصف المدفعي والرشقات الرشاشة، وتقدم في أماكن ذات جغرافيا تخفي تحركه عن الرؤية لبلدات النسق الثاني. ورغم ذلك كانت المقاومة تتعامل مع كل هذه التحركات والتجمعات من خلال الصليات الصاروخية والقصف المدفعي، وأحياناً الصواريخ الموجهة كما حصل في جبل بلاط ومركبا ومدينة الخيام. وقد اعترف العدو بوقوع قتلى وجرحى بين جنوده وتدمير جرافات ودبابات. ولا يزال الحديث يدور عن بلدات حدودية خالية بفعل ما تقدم من أحداث وتخلّي الجيش اللبناني عنها تنفيذاً لقرار حكومي، وهي في الواقع كانت لا تزال محتلة بأشكال مختلفة.

هذا الواقع لا يزال قائماً حتى اليوم، مع تسجيل محاولات متكررة للسيطرة الكاملة على هذه القرى منذ 12 يوماً تتعرض للصدّ بأشكال مختلفة من المقاومة. وبالتالي فإن أي سيطرة للعدو على أي بلدة حدودية لا تُعدّ إنجازاً، بل تأتي في سياق مسؤولية الدولة عن التقاعس منذ البداية في صدّ التوغلات اليومية، ولاحقاً التخلي عن مسؤولية الدفاع عنها. وما عمليات المقاومة اليومية ضد التوغلات الإسرائيلية والاشتباك معها رغم فارق القدرات العسكرية إلا تغطيةً للفراغ الذي تركته الدولة، وهي تقوم بواجبها الأخلاقي والوطني بالدفاع عن بلداتها بروح استشهادية كربلائية وصمود أسطوري في وجه جحافل الدبابات ومئات الغارات الجوية.

للمقاومين الذين أخلصوا لله والأرض ألف تحية، وللشهداء دين في رقاب كل حرّ وشريف في هذا الوطن.
سيكتب هؤلاء تاريخاً جديداً من العزة والكرامة، وستثبت الأيام والميدان أن الحق منتصر في النهاية، وأن الظلم والاحتلال إلى زوال.

منشورات ذات صلة