الحياة مختلفة في جنوب لبنان

قلّما نشاهد جَدًّا يراقص حفيدته. ليست تلك الصّورة الّتي علقت في ذاكرتنا عن الجدّ في بلادنا، لكنّها، تصحّ في المواقف الاستثنائية. يمسك أحمد ترمس، الرّجُل الّذي غزا الشّيبُ وجهه الباسم، بيد حفيدته في حفل تكليفها، برقّة. يلفّ بها المكان، وكأنّه يقول لها:" إن كان والدك حسن، قد قضى في الحرب، فأنا هنا بجانبك".

هكذا بدت الصّورة، قبل أيامٍ فقط من قرارٍ إسرائيليّ "روتيني". اختار هذه المرّة أن يخطف وجه أحمد من بين الوجوه (16 شباط 2026). كتب على "حالة" الـ"واتساب": "كلّ شيء قد يكون وهمًا وسرابًا، إلا الموت فإنّه حقيقة دامغة، فنتعلّق بكلّ شيء ونترك الموت حتّى يفاجئنا". ثمّ فاجأ الجميع صاروخٌ على سيّارته في طلّوسة، جنوب لبنان، حوّل الجَدّ الحنون من جسدٍ يمشي ويبتسم ويلملم الجراح، إلى حكاية أُخرى تنتظر أن تُروى.

وما أكثر حكايا الجنوب، تتسلّل إلى القرى، لتُروى بـ"الدّمع حينًا.. وبالتّذكار أحيانًا". في شخصيّات الرواية الجنوبيّة كثيرٌ من الصّخَب، ووعود معلّقة على أشجار  زيتون.. لكنّها جميعًا تنتهي إلى سكون، تنطفئ معه أحلامٌ فرديّة كثيرة، ليولد منها حلمٌ جماعيّ واحد اسمه الوطن.

خلف هذه الحَكايا تفاصيل تمرّ كثنايا كتابٍ يُراد لنا عنوة أن نتصفّحه على عجل:

- لم نعد نسمع خبرًا عن حال طفلة قبريخا الّتي سُمعت تصرخ في تموز 2025 "الله يخليكن تعوا ساعدوني ماما وبابا عم بموتوا"، بعدما قتلت "إسرائيل" والديها جعفر حجازي ورشيدة بباري أمامها داخل منزلهم.

-  لم يتعقّب أحدٌ صدى صوت والدة الشّهيدين حسن وحسين سليمان في تشرين الأوّل 2025، في حيّ البيّاض جنوب لبنان، وهي تصرخ "يا ولادي" وتركض نحو مكان ارتقائهما.

- في 12 شباط 2026، توقّف أصدقاء مهدي شعيتو عن انتظار ما وعدهم بالكشف عنه. كان قد صوّر شجرةً معمّرة في قريته وكتب: "انتظرونا بحكاية جميلة.. من قلب الأرض والصّبر، بلدة الطيري". قتلت "إسرائيل" الشّاب الرياضي، الجريح مبتور القدم، بصاروخٍ لم يمهله ليكتب السطر الأخير، ولم يتسنَّ لأحد، سماع باقي الخبر..

- صباح 16 شباط 2026، قُتل محمد قشائش أمام منزله في حانين الجنوبيّة. صرخ أحد أصدقائه، بصوتٍ يحمل بعض الأمل: "يا محمد". لكنّه لم يتلقَّ جوابًا، لم يتلقَّ إلّا لهبًا يتصاعد من حافلة محمد المخصّصة لنقل الطلاب.

هذا ليس نصًّا دراميًّا، بل محاولةٌ للتّذكير بأنّ العمر في جنوب لبنان يمرّ على أنغام مختلفة. هناك، لكلّ صاروخٍ اسمٌ في المقابل، سيصير حلمًا لعائلة، وسيستحيل نجمةً بعيدة.. في سماء يتناثر فيها الضّوء، ويشعّ كلّما ارتفع عدّاد القتل في الجنوب.

منشورات ذات صلة