وزارة العدل الكتائبيّة تمارس انقلابًا ضد البرلمان اللبناني
ردّت هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل، على استفسار وزير الداخلية، بشأن آلية اقتراع المغتربين للنواب الـ128، بأنّ من حقهم التصويت من الخارج لصالح نواب كل دائرة انتخابية، كما جرى في انتخابات 2022. هذا الردّ غير ملزم لطالب الاستشارة وللهيئة نفسها، ويمثّل "تعدّيًا على السّلطة التشريعية وعلى سيادة القانون"، بحسب ما أكّد الباحث في القانون الدّستوري وأنظمة الانتخاب أسامة رحّال في مقابلة مع "بيروت ريفيو"، واضعًا القضية في إطارها الدستوري الصريح.
رحّال أوضح أنّ الهيئة جهة استشارية تابعة للسّلطة التّنفيذية، وليس لقراراتها أيّ قيمة إلزامية للجهة الطالبة للاستشارة ولا للهيئة حتّى، حيث يمكن لها العودة عنه وإصدار رأي آخر مخالف له، لافتًا إلى أن طبيعة السؤال عادة ما يكون لها تأثير على نوعية الإجابة التي تقدمها الهيئة.
وجزم رحّال أنّ مضمون القرار يمثّل "تعدّيًا على السّلطة التشريعية وعلى سيادة القانون"، لأنّ القانون النّافذ واضح جدًّا، ولا يمكن لا للهيئة ولا لأي سلطة "حتّى لسلطة قضائية وليس لهيئة استشارية فقط"، أن تعطي الرّأي الّذي أعطته حول اقتراع المغتربين، لأنّ النص واضح وغير قابل للتأويل، ولا اجتهاد في معرض النّص. وبيّن رحّال أنّه يمكن القول بالتّالي إنّ رأي هيئة التّشريع والاستشارات في هذا الموضوع مخالف للقانون، ولأبسط القواعد الدستورية.
وفي ما يتعلق بتعليق العمل بالقانون أو عدم تطبيقه، أكد رحّال أنّه لا يمكن لا للسّلطة التنفيذية ولا للسلطة القضائية، "ما عدا المجلس الدستوري عندما تُعرض أمامه منازعة في دستورية قانون معين أن يوقف تنفيذه"، تعليق تنفيذ أي قانون. ولفت إلى أنّ ما جرى يُعدّ سابقة في تاريخ لبنان، فلم يحدث سابقًا أن تفتي هيئة استشارية بإمكانية تعليق قانون صادر عن السّلطة التشريعية من خلال السلطة التنفيذية، مشيرًا إلى وجود مخالفة واضحة لمبدأ الفصل بين السلطات، إذ لا يمكن لسلطة أن تتعدى على عمل سلطة أخرى.
وأضاف رحّال إنه على أي سلطة قضائية، سواء كانت استشارية أو لديها صلاحيات إلزامية، ألّا تقبل أن تُستخدم في النّزاعات السياسية بين الأقطاب والأطراف السياسية، بل عندما "تُرمى إليها كرة النار عليها أن تعيدها إلى الملعب السياسي"، وألّا تسمح باستخدامها، خصوصًا من خلال اجتهادات واستشارات "غبّ الطلب أو لم ينزل الله بها من سلطان".
وختم رحّال بالقول: "على سبيل القياس لو أنّ هذا الرأي الاستشاريّ غير الملزم كان قرارًا إداريًّا، لكان يمكن القول إنّه قرار منعدم الوجود، لأنّ فيه تعدّيًا من سلطة على صلاحية سلطة أخرى أيّ السلطة التشريعية".
في سياق متّصل، علّق النائب جميل السّيد على رأي الهيئة عبر منشور على حسابه على "إكس"، مؤكِّدًا أنّ ما ارتكبته الهيئة ليس طارئًا، وسبق هذا القرار "فتواها الخُنْفُشاريّة حول عدم ضرورة إخضاع عقد ستارلينك لقانون الشّراء العامّ، وعدم ضرورة إخضاع اتّفاقية التّرسيم البحري مع قبرص لتصديق المجلس النّيابي، والفتوى من خارج صلاحيتها حول قانون الانتخابات"، واعتبر أنّ هؤلاء يجب أن يكون مكانهم في السّجون.
قبل شهرين ونصف فقط من موعد الانتخابات النّيابية المقرّرة في الثّالث من أيّار 2026، يواصل رئيس الحكومة نوّاف سلام الامتناع عن إصدار المراسيم التّطبيقية الخاصّة باقتراع المغتربين وفق الدائرة 16، في خطوة تطرح علامات استفهام كبرى حول الخلفيات السياسية لهذا التّعطيل. فالحكومة الّتي دعت المغتربين إلى تسجيل أسمائهم، تبدو اليوم وكأنّها تتنصّل من استحقاق تنفيذ القانون، فهل يحاول رئيسها التلطّي خلف رأي استشاريّ غير ملزم، وغير قانوني في كلّ الأحوال لتبرير الامتناع عن تطبيق نصّ واضح لا يحتمل التّأويل؟