بين وهم المنطقة الاقتصادية وخديعة التهجير قراءة تاريخية– أنثروبولوجية في الجنوب اللبناني

نجا حمادة*

لا يمكن مقاربة منطقة الجنوب اللبناني بوصفها مجرد مساحة جغرافية قابلة لإعادة التوظيف الاقتصادي أو التفاوض السياسي. فالجنوب، كما يثبت التاريخ وعلم الأنثروبولوجيا معاً، هو فضاء هوية وذاكرة وامتداد حضاري، شكّل عبر العصور التاريخية خط الدفاع الأول عن لبنان، وموضع تجذّرِ عضوي بين الإنسان والأرض.

- الجنوب عبر التاريخ
منذ العصر الكنعاني – الفينيقي حيث ازدهرت أعظم الحضارات على شواطئ صيدا وصور التي كادت أن تكسر الإسكندر الكبير، مروراً بالغزوات الأشورية والمصرية والفارسية، ثم الاحتلالين الروماني والعثماني، ظل الجنوب محتفظاً بخصوصيته الثقافية والاجتماعية.
ورغم تعاقب الإمبراطوريات، لم تنقطع العلاقة العضوية بين الجنوبيّ وأرضه، إذ لم تختزل الأرض يوماً في كونها ملكية، بل عُدَّت مصدراً للهوية والاستمرارية.
مع قيام لبنان الكبير عام 1920، دخل الجنوب مرحلة جديدة من التهميش، سواء على مستوى التنمية أو الحضور السياسي. وتشير بعض المصادر إلى محاولات مبكرة للمساومة على أراضِِ جنوبية في سياقات مشبوهة. إلا أنّ هذا التهميش لم يؤدِّ إلى تفكيك المجتمع الجنوبي، بل عزّز اعتماده على ذاته، ورسّخ أنماط التضامن الاجتماعي، ما جعله خزّاناً بشرياً للجيش وللمقاومة في مواجهة الاعتداءات (الإسرائيلية) المتكررة.

منذ العام 1948، تحوّل الجنوب إلى ساحة صراع مفتوحة، حيث شكّلت الاعتداءات (الإسرائيلية) والمجازر المتكررة سياسة ممنهجة هدفها الأساسي تفريغ الأرض من أهلها. ثم جاء اجتياح 1978 (عملية الليطاني) ليكشف بوضوح مشروع (المنطقة العازلة) تحت حجة الأمن، فيما كان الهدف الحقيقي هو تهجير السكان.
ثم جاء اجتياح 1982 ليبلغ المشروع ذروته، مع تدمير واسع للقرى وتهجير آلاف المدنيين وصولاً إلى بيروت. غير أنّ هذه السياسات فشلت في تحقيق هدفها النهائي، إذ ولدت من رحم الاحتلال جبهة المقاومة الوطنية، التي مثّلت التعبير الطبيعي عن رفض الاقتلاع، وصولاً إلى تحرير عام 2000، حيث أُجبر الاحتلال على الانسحاب دون قيد أو شرط.

لم تستطع (إسرائيل) هذه أن تتقبل معادلة التحرير، فواصلت خروقاتها واعتداءاتها حتى حرب تموز 2006، التي استهدفت بشكل مباشر البيئة الاجتماعية للمقاومة. ورغم نزوح أكثر من مليون جنوبي وتدمير واسع للبنى التحتية، شكّلت العودة الجماعية فور وقف إطلاق النار دليلاً حاسماً على أنّ الأرض ليست خياراً بل قدراً وجودياً.

رغم التزام لبنان الكامل بالقرار الأممي 1701، استمرت (إسرائيل) في خرقها واحتلالها لمزارع شبعا وتلال كفرشوبا. وفي هذا السياق، تأتي اليوم (المنطقة الاقتصادية) كمقاربة جديدة تعيد إنتاج مشروع الحزام الأمني، لكن بلغة اقتصادية ناعمة، تقدّم عبر الوسيط الأمريكي، الذي يثبت عملياً أنه طرف منحاز لا وسيط محايد ونزيه.

- الأرض في المنظور الأنثروبولوجي
يؤكد علم الأنثروبولوجيا أنّ علاقة الإنسان والأرض تتجاوز الملكية القانونية إلى مستوى وجودي. فالأرض في الجنوب امتداد للجسد، والقرية وحدة أنثروبولوجية تجمع الذاكرة والهوية والرمز. لذلك فإنّ أي محاولة لاقتلاع الجنوبي من أرضه، سواء بالقوة العسكرية أو بالإغراء الاقتصادي، هي اقتلاع لجزء من ذاته.
الأرض هنا ذاكرة حيّة: شجرة الزيتون، الحقل، الزقاق، المقام الديني، كلها عناصر تختزن السردية الجماعية، وتفسر الإصرار على العودة والبدء بالإعمار خاصة القرى المدمرة.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار (المنطقة الاقتصادية) مشروعاً تنموياً، بل هي مشروع لمحو الذاكرة وتفكيك الهوية.

مع تراكم دماء الشهداء، اكتسبت الأرض بعداً رمزياً مقدساً، ما يجعل إخضاعها لمنطق السوق أمراً بالغ الصعوبة. فحين تتحول الأرض إلى رمز للكرامة والتضحية، يصبح الدفاع عنها دفاعاً عن المعنى والمصير. وهذا ما يفسّر فشل كل محاولات تفكيك المجتمع الجنوبي عبر أدوات اقتصادية.

-  من الأمن إلى الاقتصاد

التحول من الخطاب الأمني، إلى الخطاب الاقتصادي لا يعكس تغيُّراً في الاستراتيجية، بل في الأدوات، فالهدف واحد "إبعاد الجنوبي عن أرضه" والتاريخ الاستعماري، من أفريقيا إلى المشرق، يثبت أنّ "التنمية" كانت دائماً غطاء للسيطرة ونهب الموارد، واليوم، يُعاد إنتاج هذا النموذج في الجنوب اللبناني.

- الاقتصاد التابع في مواجهة الاقتصاد الوطني
يقتضي التفريق بين اقتصاد وطني يعزّز صمود السكان عبر استثمار الأرض، واقتصاد تابع قائم على الإغراءات الخارجية التي تفتح الباب للبيع الطوعي للأرض. الخطر الحقيقي يكمن هنا، إذ يتحول التهجير من قسري إلى طوعي، ما يجعل الخديعة أكثر فاعلية.

قبل أي حديث عن مشاريع اقتصادية، يبرز سؤال التعويض عن جرائم (إسرائيل) منذ 1948. إنّ القبول بأي مشاريع دون محاسبة وتعويض يعني إغلاق ملف الجرائم وشرعنة الاعتداءات المستقبلية. وعليه فإنّ الموقف الوطني يجب أن يكون واضحاً: لا تنمية على حساب السيادة والذاكرة.


يثبت هذا التحليل أنّ الجنوب اللبناني ليس مساحة تفاوض، بل خط أحمر استراتيجي. المطلوب خطة وطنية تنموية ترتكز على دعم الزراعة والصناعة المحلية، وإلزام (إسرائيل) بالتعويض، وتعزيز قدرات الدولة. كما تقع على عاتق الشعب والنخب مسؤولية كشف هذه الخديعة الاقتصادية، والتأكيد أنّ البقاء في الأرض فعل مقاومة، وأنّ الأرض ليست سلعة، بل هوية وذاكرة ومصير.

*باحث في علم التاريخ

منشورات ذات صلة