الشارع يتحرك بوجه حكومة "التغيير"

بقلم: باسم جوني*

شهد الشارع اللبناني في الفترة الأخيرة تحرّكات لافتة معارضة لسياسات الحكومة اللبنانيَّة. يُقابل هذا المشهد صمتٌ شبه تامّ يخيّم على الوسائل الإعلاميَّة، رغم أنَّ المطالب المعيشيّة التي ترفعها هذه التحركات هي نفسها التي كانت في صلب شعارات انتفاضة 17 تشرين الأوّل عام 2019. وتكمن المفارقة، أنَّ المُطالب بالتغيير اليوم، هم من يُسمون بالـ"تغييريين"، والذين منذ وصولهم إلى السلطة، يُمارسون السياسات نفسها، التي استخدمتها الحكومات السابقة، في ظرف أصعب وحساس، وبعد عدوان صهيوني همجي وواسع.


في ملف السلك العسكري:

في هذا السياق، شهدت ساحة رياض الصلح يوم الجمعة في 19 كانون الأول 2025، والتي كانت المركز الأساسي لتجمّعات 17 تشرين، تحرّكًا للعسكريين المؤهّلين والمتقاعدين في الجيش اللبناني أمام السرايا الحكومية، للمطالبة بحقوقهم المتعلّقة ببدلات المحروقات. وأكّد المشاركون أنَّ تحرّكاتهم المطلبية ستتواصل بعد رأس السنة، في حال عدم الاستجابة لمطالبهم الحياتيّة. وسبق هذا التحرّك عدد من التحرّكات من قبل العسكريين المتقاعدين خلال شهر أيلول أمام مقرِّ الحكومة.


في ملفّ القطاع التعليمي:

ولم تقتصر التحركات على العسكريين، حيث أعلنت رابطة الأساتذة المتقاعدين في الجامعة اللبنانية الإضراب يومي الخميس 18 والجمعة 19 كانون الأوّل، تحت عنوان "الإضراب التحذيري"، في خطوة قد تفتح الباب أمام تصعيد لاحق في حال لم تستجب حكومة نواف سلام لمطالب المتعاقدين في الجامعة الوطنية. واعتبرت الرابطة أنّ السلطة السياسية تماطل في الاستجابة، وتكتفي بإطلاق ردود فارغة لا تُترجم إلى أفعال. وإلى جانب أساتذة الجامعة اللبنانيَّة، شهد القطاع التعليمي الرسمي إضرابًا لروابط الأساتذة والمعلمين في التعليم الثانوي والأساسي والمهني، يوم الأربعاء في 17 كانون الأول، ترافق مع اعتصامات في مختلف المناطق اللبنانية، إضافة إلى تحرّك أمام السرايا الحكومية في رياض الصلح في اليوم نفسه. ورفعت التحركات مطالب واضحة موجّهة إلى الحكومة اللبنانية، تنادي بتصحيح الأجور ومضاعفة الرواتب.

في القطاع العام:

استمرَّ إضراب رابطة موظفي الإدارة العامة، الذي بدأ يوم الخميس في 18 كانون الأول واستمرَّ حتى يوم الأحد في 21 منه، حيث طالب الموظفون بزيادة الرواتب بنسبة 50%، في ظلِّ التدهور المستمر في القدرة الشرائية. ما يعني أنَّ إقرار رفع الحد الأدنى للأجور من 18 مليون ليرة لبنانية إلى 27 مليون ليرة، لم تواكب حاجات العاملين والموظفين في القطاع العام.

ولم تكن هذه التحرّكات بمعزل عن سياسات حكومة "الإصلاح" التي لم تتغيّر لا بشكلها ولا بمضمونها، والمتغيّر الوحيد بحسب الواقع هو التعتيم الإعلامي من قبل الوسائل الإعلامية بأمر من السلطة السياسية. فقد أكّد العسكريون المتقاعدون خلال تحركهم الأخير، أنَّ السلطة السياسيّة تمارس ضغوطًا مباشرة على وسائل الإعلام لعدم تغطية التحركات رغم توجيه الدعوات إليها.

في الإطار نفسه، فإنَّ الحكومة التي تتخلّى عن الجنوبيين وتتواطأ مع الاحتلال، ترفض تنفيذ المطالب الحياتيّة المتعلّقة بحقوق الموظّفين في القطاع العام والسلك العسكري، كما أنّها تفشل في تحديد رقم للفجوة المالية بناءً على قواعد سليمة، في تخوف واضح من تحميل الخسائر المُستحقة على أصحاب المصارف. عوضًا عن الاستمرار في تراجع ساعات التغذية الكهربائيّة بشكل فاضح، رغم تعيين الهيئة الناظمة لكهرباء لبنان،  وسط صمت مطبق من القوى التي حملت لواء التغيير منذ 17 تشرين. وهي القوى نفسها التي اعتبرت وصول نواف سلام إلى رئاسة الحكومة انتصارًا لها، وتبنّت عملية التكليف الطاقم "التغييري"،  في ما يشكّل خذلانًا واضحًا للشارع الذي انتفض في وجه الفساد، ولا يزال يتحرّك مطالبًا بحقوقه الشرعيَّة.

*صحافي

منشورات ذات صلة