"أنطون الصحناوي".. الصهيوني الملتزم ولبنانيّ "ما بعد التخوين"
بقلم: حسن عليق*
قبل أنطون الصحناوي، لم يسبق أن جاهر لبناني بصهيونيته. وحدهم اليهود الذين خرجوا من لبنان وانتقلوا إلى فلسطين المحتلة، لينضموا إلى مجتمع المستوطنين، بدءاً من خمسينات القرن الماضي، صاروا يعرّفون أنفسهم بصفتهم صهاينة. حتى العملاء، من أعضاء عصابات سعد حداد وأنطوان لحد، لم يقدّموا أنفسهم يوماً بصفتهم صهاينة. "حلفاء إسرائيل" منذ ما قبل الحرب الأهلية الكبرى (1975 -1990) عرّفوا أنفسهم بأنهم قوميون لبنانيون، وطنيون، يدافعون عن لبنان... حلفاء للعدو الإسرائيلي، لكنهم في الوقت عينه كانوا - بمعظمهم - كارهين لليهود بصفتهم يهوداً. انخرطوا في المشروع الصهيوني، لكن مع الإصرار على رفض كونهم صهاينة. في العام 2025، كتب انطون الصحناوي التاريخ. مستشارته هاجر الشمالي، وفي مقابلة مع Washington Jewish Week (يوم 30 تموز 2025) قالت عن معلّمها إنّه "صهيوني ملتزم". وأضافت إنه "نشأ في عائلة لبنانية كانت دائمًا تحمل مشاعر قوية تجاه "إسرائيل" والصهـيونية. هذا الشعور هو جزء من ثقافة عائلته وقد انتقل عبر الأجيال".
في هذه، لم تكن هاجر الشمالي تكذب. يروي أحد الشهود على الاتصالات السياسية والأمنية المواكبة للاحتلال الإسرائيلي لبيروت عام 1982، كيف كان نبيل صحناوي، والد أنطون، في اجتماعه في منزله مع وزير حرب العدو، أرييل شارون، يسعى إلى إقناعه بعدم إيصال بشير الجميل إلى قصر بعبدا. قال الصحناوي لشارون "إنّ وصول بشير الجميل إلى الرئاسة خطر على مشروعنا". و"مشروعنا" هو المشروع الذي يرى "الخواجة" نبيل أنه مشترك بينه وبين "إسرائيل". هو مشروع حكم لبنان، بأدوات إسرائيلية، ولم يكن بشير الجميل، في نظر الصحناوي الأب، صالحاً لضمان نجاح هذه المهمة بسبب كثرة عداواته!
صدقت هاجر الشمالي في قولها أنّ أنطون الصحناوي صهيوني ملتزم. ورغم الضجيج النسبي الذي أثاره التصريح، فإنّ الصحناوي لم يجد نفسه معنيًا بنفيه.
كتابة التاريخ من قبل المصرفي الشاب، رئيس مجلس إدارة مصرف سوسييتي جنرال، لم تقتصر على الجهر بالصهيونية، إذ تعدّته إلى المشاركة في تمويل مبادرة "فنية" أميركية - إسرائيلية. ظهر في صورة (التقطتها الشمالي) محتضناً مغنّياً إسرائيلياً، واضعاً على سترته شارة التضامن مع الأسرى الإسرائيليين في غزة! نحن هنا أمام حالة غير مألوفة، تتجاوز الجهر بالصهيونية، وبالتضامن مع الأسرى الإسرائيليين! في العادة، الصهاينة يمنحون عملاءهم المال لقاء عمالتهم. في حالة الصحناوي، هو من يدفع المال لهم، علناً! ولا داعي للتذكير من أين أتى هذا المال. لسنا هنا أمام حالة خيانة، بل أمام حالة تنتمي إلى عصر "ما بعد التخوين".
عندما خطا أنطون هذه الخطوة، علناً، هو - من جهة - كان يعلن انتصار مشروعه، أو للمزيد من الدقة، المشروع الذي ورثه عن أبيه الذي لا يزال على قيد الحياة. ومن جهة أخرى، فإنّه يعبّر للأميركيين والصهاينة عن رغبته بقيادة "لبنان الجديد"، سريعاً، إلى مرحلة "ما بعد التخوين".
الحديث عن كون أنطون الصحناوي أحد الذين يقودون لبنان ليس من قبيل المبالغة. ولا هو مرتبط حصراً بكونه الأكثر وقاحة بين صهاينة لبنان (من الواجب توضيح أنّ في "لبنان الجديد" الذي أعلنه الصحناوي على لسان هاجر الشمالي، في لبنان "ما بعد التخوين"، كلمة "صهيوني" تُعَدّ مديحاً، لا صفة للذم). في الواقع، الصحناوي هو أحد الذين يقودون لبنان نحو العصر الصهيوني. قوته مستمدة أساساً من ماله. هو مالك واحد من أكبر مصارف لبنان، ومالك مجموعة مصرفية في فرنسا تملك بدورها مصرفاً "صغيراً" في الإمارات، واشترت في تموز 2025 مصرفاً "صغيرا" آخر في سويسرا. وهو مالك شركة مالية، و"يتسلّى" بالإنتاج الإعلامي والفني والسينمائي.
كل ذلك، لا يميّزه عن سواه من أصحاب المصارف. ما يميّزه ليس التزامه السياسي - الذي قالت هاجر الشمالي إنه "التزام بالصهيونية" - بل استعداده لدفع المال في سبيل التزامه السياسي، الذي يرى بطبيعة الحال أنّه في النهاية سيدرّ عليه الكثير من الأموال.
في الإعلام والسياسة، الصحناوي أقوى من حزب. ربما يكون، منفرداً، أقوى من مجموعة أحزاب. لديه كتلة نيابية، غير معلن عنها، تكاد تنافس كتل أحزاب كبيرة. رسمياً، لديه نائب في الأشرفية هو جان طالوزيان، ونائب في عاليه هو راجي السعد الذي أودعه في كتلة الحزب الجنبلاطي. وله في الكتلة نفسها أصدقاء، تماماً كما في كتل أخرى. وله مرشح رئاسي ونائب هو ميشال معوّض، ومعه نائبان إضافيان في الشمال، أحدهما فاز صحناوياً، والآخر (في طرابلس) اجتذبته "أفكار" الصحناوي. وإلى جانب أنطون، حزب عريق، كحزب الكتائب. حزب صنّف نفسه "خارج المنظومة"، لكنه حريص على التحالف مع الصحناوي، في بيروت الأولى، في الأشرفية، في "دائرة بشير الجميل"، حيث يترشّح ابن بشير، أي حيث لا يحتاج الكتائب إلى حليف!
كانت للصحناوي أيضاً ودائع في بعض الكتل النيابية التي تعاديه ويعاديها. لا داعي للبحث عن تلك الودائع. تُعرف من أصواتها المرتفعة عند كل نقاش أو بحث في اقتراح قانون ترى المصارف أنه يمسّ بامتيازاتها، أو مشروع قانون يرمي إلى التخفيف من قدرتها على الاستمرار بنهب اللبنانيين من دون قيد أو شرط. وله أيضاً سياسيون من أبناء "البيوتات السياسية"، ومرشحون دائمون للانتخابات النيابية.
إذاً، هو صاحب مصرف، وله نواب وسياسيون. يختلف الأمر عن سائر أقرانه من المصرفيين القادرين على التأثير في السياسة بصورة تفوق قدرة أي حزب منفرداً، بل وتفوق قدرة أحزاب مجتمعة. صحيح أنّ المصرفيين لهم حزب عابر للطوائف والمناطق والانتماءات السياسية، لكن لأنطون كتلته الخاصة، العابرة للمناطق والطوائف والانتماءات.
هو يختلف أيضاً عن أقرانه بكونهم يعملون بصمت، فيما هو لا يخجل من الصخب.
صاحب مصرف وميليشيا!
هو صاحب مصرف يطلق مرافقوه النار، بحضوره، على لبناني يدعى مازن الزين في ملهى ليلي (Maison Blanche) ويصيبونه بثلاث طلقات نارية، فيخرج أنطون ومرافقوه من القضية بلا أي تبعات تُذكر (يُنصح بمراجعة القصة الكاملة التي نشرها نزار صاغية وفادي إبراهيم في "المفكرة القانونية" عام 2021).
هو ابن صاحب مصرف كان يحمل السلاح في الحرب الأهلية (كان زميل جورج عدوان "التنظيم")، وينصح شارون بما يحقق مصلحة "إسرائيل".
هو صاحب مصرف "يملك" ميليشيا "صغيرة"، تماماً كمقاسات مصارفه الصغيرة في باريس وموناكو وأبو ظبي وزيورخ.
هو صاحب مصرف كان رَجله، ونائبه الحالي في الأشرفية، جان طالوزيان، عميداً في الجيش، قائداً لجهاز أمن المطار! كان قائداً لجهاز أمن المطار في الزمن الذي يزعم فيه أعلام المصارف والوصاية أنّ حزب الله كان مسيطراً سيطرة تامة على المطار. وشقيقة الأخير مديرة في مصرف أنطون، وهي زوجة قاضٍ شغل منصباً رفيعاً.
لكن نفوذ أنطون في الأمن والقضاء لا يقتصر على المقربين وأقربائهم. بنى على مدى سنوات شبكة هائلة من النفوذ، بقدرة مساعديه على أن يسحروا موظفين رسميين يغريهم لمعان أونصات الذهب وتثقل أكتافهم - المزينة بالنجوم أو بأثواب العدالة - قروضٌ مصرفية يمكن صحناوي أن يشطبها فيجعلها كما لو أنها لم تكن. تختفي تماماً كآثار محاولة قتل مازن الزين في ملهى "البيت الأبيض" في بيروت. يحيلها عدماً كما أخبار (وملف) التحقيقات مع مصرفه عام 2020 بتهمة التلاعب بسعر الدولار.
يفعل كل ذلك بصخب. لكن الإعلام لا يأتي على ذكره. فالرجل كما مع أصدقائه المقربين، كذلك مع الإعلام، فائق السخاء. والسخاء ليس من صفاته الشخصية وحسب. هو شاب، في العام 2017، وفيما لم يكن عمره قد تجاوز الخامسة والأربعين من العمر، حقّق أرباحاً من العمل المصرفي في لبنان تجاوزت قيمتها 1.1 مليار دولار (400 مليون دولار أرباحاً عادية للمصرف، و700 مليون دولار أرباحاً من الهندسات المالية). مبلغ كهذا يعينه على السخاء، ويجعله قادراً على شراء مؤسسات إعلامية لا إعلاميين، ومؤسسات رسمية لا رسميين، وكتلاً نيابية لا نواباً متفرقين.
وما في مجلس النواب يتكرّر في الإعلام. للمصارف مجتمعة نفوذٌ بقوة "الإعلانات" والقروض الميسرة، ولأنطون نفوذه المستقل. في التلفزيونات الثلاثة الكبرى، كلمة أنطون لا تُرَد. إنْ لم ينجح في نسج علاقة "منتجة" مع الآباء المتعجرفين، فسينتظر الأبناء البراغماتيين ليأتوا إليه. قدراته الإعلامية أيضاً "عجائبية":
هو صاحب مصرف يستطيع أن يحدّد لوسائل الإعلام مَن ستختار ليتحدّث باسم المودعين الذين نهب أصحاب المصارف أموالهم!
هو صاحب مصرف، مشتبه فيه بتبديد أموال المودعين أو سرقتها، لكنه يموّل برامج تلفزيونية تدّعي "مكافحة الفساد"!
هو مالك لميليشيا تشتبك مع القوات اللبنانية في الأشرفية، في الشهر الأخير من عام 2024، فيقتل في الاشتباك مسؤول قواتي، لكن وسائل الإعلام تخنق الخبر بعد أيام قليلة، فينساه الناس! والمفارقة أنّ طرفي الاشتباك، أي القاتل والقتيل، تربطهم علاقة ممتازة بالصحناوي.
نفوذه لا يقتصر على الإعلام ولا على الأمن والقضاء، ولا على المجلس النيابي. هو كاثوليكي ملتزم. قريبه، مروان الصحناوي، كان رئيس جمعية فرسان مالطا في لبنان، ما منحه باباً يوصله مباشرة إلى قلب حاضرة الفاتيكان. وكونه ليس مارونياً لا يعني أنه سيكتفي بنفوذ المصارف مجتمعة في بكركي. هنا أيضاً، نفوذه مستقل عن الآخرين.
باختصار، يملك الرجل شبكة أمان وتأثيرٍ في مؤسسات صنع القرار، وفي الأجهزة الرسمية، وفي الإعلام والمؤسسات الدينية… وصولاً إلى قصر بعبدا في عهد الرئيس جوزف عون الذي عيّن قريبه، خليل مروان الصحناوي، مستشاراً رئاسياً لشؤون الأمن السيبراني. والأخير كان قد أوقِف عام 2018، بتهمة قرصنة واختراق مواقع إلكترونية تابعة لمؤسسات رسمية لبنانية وشركات خاصة. وما لبث أن أُطلِق سراحه بعد أشهر، في ظل تأكيد ماكينة الصحناوي أن توقيف خليل حينذاك، كان بهدف الضغط على أنطون من قبل الرئيس سعد الحريري، على خلفية قيام الصحناوي بشراء كمية ضخمة من أسهم شركة سوليدير، الشركة التي تدير، (و"تملك"، عمليًّا) وسط بيروت التجاري.
بلغ نفوذ صحناوي ذروته عند تمكّنه من إقناع رئيس الجمهورية والأميركيين بتعيين كريم سعيد حاكماً لمصرف لبنان، في العام 2025. فعلاقاته بطبيعة الحال لا تقتصر على لبنان. في الولايات المتحدة الأميركية، يعرف أنطون من أين تؤكل الكتف. وزارة الخزانة الأميركية هي الوصية على القطاع المصرفي اللبناني؟ حسناً، سيأتي أنطون بالمسؤول السابق عن مكافحة تمويل الإرهاب في الخزانة الأميركية، دانيال غلايزر، ليعيّنه مستشاراً له. لكن بالتأكيد، ليس الأخير أداته الوحيدة ولا الرئيسية في واشنطن. إلا أنّ اختياره كشف طريقة عمل المصرف اللبناني في العاصمة الأميركية. العلاقة بين الصحناوي والأميركيين عميقة بعمق الارتباط البنيوي بين القطاع المصرفي اللبناني والمركز الرأسمالي العالمي، وهو ارتباط الوصيّ بالخاضع للوصاية، والأداة بمستخدمها والسيد بالعبد. لكن، في واشنطن أيضاً، قدرات أنطون على التحرك مستقلة تماماً عن ما لدى القطاع المصرفي اللبناني من دور مرسوم أميركيا.
ببسيط العبارة: القطاع المصرفي اللبناني الذي نهب أكثر من 80 مليار دولار من أموال المودعين، ونهب عشرات مليارات الدولارات من المال العام، وتسبب بأسوأ انهيار مالي ونقدي بالعالم منذ الحرب العالمية الثانية بحسب تصنيف البنك الدولي… هذا القطاع المصرفي نفسه كان يحظى بدعم وغطاء ورعاية من الولايات المتحدة الأميركية. كانت واشنطن تعرف الشاردة والواردة في قلب القطاع. ويمكن القول - بكل راحة ضمير - إنها سمحت لأصحاب المصارف بنهب اللبنانيين. الرعاية الأميركية لأصحاب المصارف عامة، تشمل أنطون الصحناوي بطبيعة الحال. لكن علاقة الأخير بالولايات المتحدة الأميركية هي أكثر رسوخاً من علاقة سائر أصحاب المصارف، إلى درجة أنها تبدو إلى حد ما أيديولوجية، لا من زاوية "الديانة المصرفية" حصراً، بل أيضاً، والأهم، من باب علاقاته بالصهاينة. وهذه العلاقات ليست تفصيلاً هامشياً، خصوصاً عندما يُبدي "طالب القُرب" استعداداً للانخراط التام في المشروع السياسي الأميركي الإسرائيلي في لبنان، وهو الممسك بما يغري صهاينة واشنطن: شبكة نفوذ هائلة قلّما توفرت لرجل سواه… أو حتى لحزب. المصارف اللبنانية تقدّم لسيدها الأميركي "امتثالاً" مبالغاً به لأوامره. أما أنطون، فيقدّم الامتثال نفسه، وبنيةَ تحتية إعلامية وسياسية واجتماعية يمكن استخدامها وفق الإرادة الأميركية، وأحياناً كثيرة، للمزاودة عليها. وفيما يخفي الإعلام اللبناني الدور الحقيقي لأنطون الصحناوي وقدراته، يدرك الأميركيون تماماً أنه أحد الذين يحكمون لبنان من خلف الستارة. فمهما كذب الإعلام اللبناني العامل في خدمة المصارف وسلطة الوصاية، لن تنطلي على الأميركيين الأكاذيب التي يستفيدون من ترويجها، وخصوصاً تلك الأساطير عن وجود "طبقة سياسية" تحكم البلد لوحدها.
فالأميركيون يعرفون جيداً سطوتهم على الدولة اللبنانية، ويعرفون أيضاً قدرة دول وأنظمة مثل النظام السعودي على التأثير في الحياة السياسية في لبنان، ويعرفون تمام المعرفة قدرة أصحاب المصارف والثروات على التحكم بالكثير من القرارات والسياسات التي تصدرها المؤسسات الدستورية اللبنانية، ويدركون أنّ أنطوان صحناوي ربما يكون صاحب التأثير الأكبر مقارنة بسائر أصحاب المصارف.
في المقابل، لكي تتضح قدرات الصحناوي في واشنطن، تكفي الإشارة إلى مسألة أساسية، وهي أنّ المسؤولين الأميركيين، ومنذ عام 2019، يواظبون على تكرار الدعوة إلى ما يسمونه "إصلاح القطاع المصرفي في لبنان"، مطالبين الحكومة اللبنانية بعقد اتفاقية مع صندوق النقد الدولي من أجل الخروج من الأزمة المالية والنقدية والاقتصادية. وبات معلوماً أنّ أصحاب المصارف يعارضون عقد اتفاقية مع صندوق النقد الدولي، لأنهم يرون أنّ شروطها لن تكون في صالحهم، طالما أنّ "الصندوق" لا يجد أي إمكانية لإعفاء أصحاب المصارف من كامل مسؤولياتهم عن الانهيار اللي ظهر سنة 2019. الحكومة الأميركية قادرة، لو شاءت حقاً، على إلزام أصحاب المصارف اللبنانية بقبول اتفاق مع "الصندوق". إلا أنّها حافظت على خطاب علني يدعم اتفاقاً مع صندوق النقد. هي تدعم أصحاب المصارف عملياً، وتدعم خيار صندوق النقد لفظياً لا أكثر. أنطون الصحناوي، بقدراته السحرية، جعل المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس تقول في أيار 2025 إن الاتفاق مع صندوق النقد الدولي هو "خيار للبنان وليس ضرورة". هذا التصريح كان أول تبنٍّ أميركيّ علنيّ لموقف أصحاب المصارف في لبنان من الاتفاق مع الصندوق. هنا، يمكن فهم واحد من جوانب الموقف الصهيوني لأنطون. فهو يريد أن يقدّم للأميركيين الموقف السياسي في مقابل استمرار دعمهم له، ولأصحاب المصارف، في معركة توزيع الخسائر الناجمة عن الانهيار الاقتصادي والمالي والنقدي في لبنان. كأنه يقول لهم: "أنا أخوض معركتكم في وجه حزب الله وحلفائه. خوضوا معركتي في وجه المجتمع اللبناني!"
من المصارف إلى التطبيع
في العام 2024، وفيما كان العدو الإسرائيلي يشنّ حربه على لبنان، ظهر أنطون الصحناوي في حفل انتخابي لدونالد ترامب. قد يجادل البعض بأنّ مشاركة كهذه يسيرة لكل صاحب ثروة. لكن الأبواب فُتحت لأنطون لا بسبب المال المجرّد، بل بناءً على علاقاته التي حفرها في العاصمة الأميركية، والأهم، بسبب استعداده لاستخدام هذا المال وترسانته اللبنانية لتحقيق الأهداف الأميركية - الإسرائيلية في لبنان. على هامش الحفل الانتخابي، التقى أنطون بترامب الذي قال بعد ساعات إنه يريد وقف الحرب في لبنان، لافتاً إلى مفارقة أنّه التقى بلبنانيين طلبوا منه إطالة أمد الحرب! لم يقل أحد إنّ طالِب استمرار الحرب هو أنطون الصحناوي، لكن "التزامن" بين الحدثين جعل "البريزيدان" المشبته فيه الأول.
علاقة أنطون بالأميركيين ليست أيديولوجية موروثة وحسب. ولا هي محصورة في "طبيعة" ما ربط مال الأطراف برأس المال في المركز، ولا بالتبعية الحتمية للغرب التي تحكم الطبقة المهيمنة في دول الجنوب وأشباه المستعمرات. ففي الأصل، هو مصرفي يريد تضخيم ثروته، بشتّى الطرق. ورضى واشنطن هو مما يساعده على تحقيق مراده، ويؤمّن له الحماية التي لا تتوفر لأي كان. وهذا الرضى هو تحديداً ما مكّنه من مواجهة رياض سلامة، في بعض أيام عز الأخير، عندما لم يكن أي مصرفي يجرؤ على النظر في عيني الحاكم السابق لمصرف لبنان.
حظوته في واشنطن تتيح له الوشاية بأي كان في لبنان، في حال أراد الاستيلاء على قطاع مالي ما يرى أنّه يدرّ أرباحاً "يحرم" أن تؤول لسواه. من هذه الزاوية، يمكن فهم هجوم إعلاميين - يعملون في خدمته، سواء في لبنان أو في واشنطن - على شركات مالية محددة، والضغط باتجاه إخضاعها للرقابة الأميركية المشددة. والذريعة التي تُستخدم دوماً هي نفسها: "حزب الله".
باحثون وباحثات في معهد واشنطن الليكودي وغيره من مراكز الدعاية الصهيونية الأميركية، باتوا من الذين جذبتهم "أفكار" الصحناوي اللامعة. وتحريض هؤلاء على لبنانيين بذريعة العمل مع الحزب، أصبح له هدف إضافي: خدمة المصالح المالية لأنطون. بصريح العبارة، إذا أراد أنطون شراء شركة تحويل أموال مثلاً، ورفض مالكوها بيعها، فسينزل عليهم سيل من التحريض الإعلامي، في لبنان والولايات المتحدة الأميركية، بذريعة تمويل الحزب. ثم تبدأ وزارة الخزانة الضغط على الشركة المستهدفة. وكيفما كانت النتيجة، فإنها تصبّ في مصلحة الأميركيين والصحناوي. أقل ما سيحصّلونه هو أن الشركة ستباشر التضييق على أبناء مجتمع الحزب من دون وجه حق، وستصبح "كالخاتم في إصبع" الخزانة.
ذريعة حزب الله كانت مثالية في سنوات ما بعد ظهور الانهيار المالي عام 2019. يمكنك أن تخفي سرقة أكثر من 80 مليار دولار من أموال المودعين، عبر جعل الماكينة الإعلامية اللبنانية تتخصّص في الهجوم على الحزب. الورقة نفسها ترميها على الطاولة متى أردتَ إخفاء مساعي المصارف لاستصدار قانون يعفيها من مسؤولياتها عن عملية النهب الكبرى التي تعرّض لها اللبنانيين. وهي صالحة أيضاً لتضليل الرأي العام عندما يحين وقت الاستيلاء على قطاع تحويل الأموال الذي يدر ذهباً تعجز المصارف المفلسة عن تحصيله فيما هي في حالة "الزومبي". وفي شتى الأحوال، وإنْ لم تحقق غايتك، فإنك ستكسب - بفضل الماكينة الإعلامية الضخمة التي تعمل بإمرتك - تحويل حزب الله لدى قطاع واسع من الرأي العام إلى المسؤول - الوحيد طبعاً - عن كل الموبقات المرتكبة في البلد.
قبل العام 2023، كان خطاب الصحناويين مُنصبّاً على الدفاع عن المصارف، عبر شيطنة كل خطاب أو مسعى يدافع عن حقوق المجتمع في مقابل امتيازات القلة من أصحاب الأموال. أداتهم الدائمة هي الهجوم على الحزب واتهامه بالوقوف خلف كل من يطالب بحقوق الناس. أما هدفهم، فأن يتحمّل المجتمع، أي الضحية، مسؤولية الجريمة التي ارتكبتها الطبقة المهيمنة بحقه. وأصحاب المصارف ليسوا سوى الطبقة عينها ونواتها الصلبة والبذرة الحية في قلب النواة.
ومما يلفت في هذا السلوك أنّ الصحناوي وخصومه في الفريق الموالي للغرب، وعندما يريدون أن يهاجم أحدهم الآخر على خلفية الصراع بين رأس المال المحلي ورأس المال المعولم، فإنّ واحدهم يتهم خصمه بخدمة حزب الله، فيما هما في الواقع يتسابقان على خدمة الغرب!
الخطاب الجديد للصحناويين، منذ العام 2024، عنوانه الأبرز "التطبيع مع العدو". يريدون تصوير أنّ غالبية اللبنانيين هائمة في حب "إسرائيل". لم يكتفِ أنطون بإشهار صهيونيته، ولا بتمويل نشاط أميركي - إسرائيلي، تجاوز ذلك إلى إجراء مقابلة مع السفير الإسرائيلي في واشنطن، عبر منصة "This is Beirut" التابعة للصحناوي، يوم 6 كانون الأول ديسمبر 2025. هي المرة الأولى - على الأقل بعد انتهاء الحرب الأهلية سنة 1990 - التي تجرؤ فيها مؤسسة إعلامية لبنانية على إجراء مقابلة مع مسؤول إسرائيلي. مرة جديدة، أنطون الصحناوي يكتب التاريخ. يسرّع الخطى نحو كسر كل الخطوط الحمر. ينشر جيشه الإعلامي للدعوة إلى التطبيع، والتنظير لفوائد استقبال بنيامين نتنياهو وأفيخاي أدرعي في لبنان. وهؤلاء، مرتزقة أنطون الإعلاميين، ليسوا "ملكاً" له وحده، يشترك في "ملكية" غالبيتهم مع مطبّعين آخرين، ومع الغرفة الإماراتية السعودية لترويج التطبيع.
يفعل أنطون الصحناوي كل ذلك، من دون أن يستفزّ فعله رئيساً أو قاضياً.
العداء بالإكراه!
لا جدال هنا في أنّ الصحناوي ليس الأول في هذا "الكار"، وأنّ "مسألة إسرائيل في لبنان" بقيت "مائعة" لأنّ "هوية الأمن القومي اللبناني" لم تُحسم يوماً. هي ملتبسة منذ ما قبل الاستقلال. ولذلك، تجد إميل إده، الرافض لاستقلال لبنان عن سلطة الانتداب الفرنسي، مثله كمثل بشارة الخوري، المُلقَّب بـ"بطل الاستقلال".
واللبناني الذي قاتل الصهاينة في فلسطين قبل النكبة، بطل. واللبناني الذي باع أرضه وامتياز الحولة في شمال فلسطين للصهاينة بطل أيضاً.
بقي الحال على ما هو عليه، بلا تعريف واضح للأمن القومي اللبناني، حتى بدا أنّ لبنان هو وطن بلا "أمن قومي". خلق ذلك مساحة هائلة من الفراغ الذي يسرح فيه ويمرح أمثال أنطون الصحناوي على مر السنين. الفترة الممتدة بين العامين 1990 و2005 كانت استثناءً، لجهة وضوح السياسة الخارجية للبنان. قبلها، يمكن مراجعة الوثائق الإسرائيلية المنشورة حديثاً، ومقالات بدر الحاج في جريدة "الأخبار"، والكتب الإسرائيلية المنشورة سابقاً (ككتاب "المتاهة اللبنانية"، مثلًا) لاكتشاف مدى عمق العلاقة بين الصهاينة ولبنانيين كثر، أفراداً وأحزاباً ومؤسسات، منذ ما قبل النكبة حتى أيامنا هذه. وفي أيامنا هذه، وعلى سبيل المثال لا الحصر، لم يستغرب أحدٌ الوثائقَ الإسرائيلية المنشورة حديثاً، التي كشفت أنّ جورج عدوان، النائب الحالي، تقاضى أموالاً إسرائيلية في ثمانينات القرن الماضي لتمويل نشر الدعاية المؤيّدة للعدو في صحف لبنانية!
مرحلة 1990 / 2005 كانت استثنائية في صلابة الموقف من العدو، لأنّ سلطة الوصاية السورية تمكّنت من قمع الصوت المؤيّد لـ"إسرائيل". لكن انسحاب الجيش السوري، وتوغّل الأميركيين في مؤسسات الدولة اللبنانية، وانفلاش المال الخليجي في الإعلام والسياسة… كلها عوامل جعلت سياسيين كثر، والدولة في لبنان، يتحرّرون شيئاً فشياً من مواقفهم السابقة بشأن العداء مع "إسرائيل". يظهر ذلك في مجالات شتّى، منها مكافحة التجسس الإسرائيلي، والتعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية بصفتها أداة يمكن استخدامها لتسجيل تقدُّمٍ ما في المعارك السياسية الداخلية. مراجعة وثائق "ويكليكس" التي تغطي فترة الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006 تكشف الكثير في هذا المجال، وتُظهر كيف أنّ جزءاً كبيراً من النخبة السياسية كان قبل عام 2005 مُكرَهًا على إعلان العداء لكيان الاحتلال. وعندما تحرّر من الوصاية السورية، تحرّر معها من أثقال اعتبار "إسرائيل" عدواً.
انسحاب الجيش السوري أخرج من القمقم خطاباً جديداً بشأن كل ما يتّصل بالعلاقة مع العدو. لكن الأمور لم تصل مباشرة إلى ما هي عليه اليوم، بل تدرّجت في ذلك.
في المرحلة الأولى من زمن التحرّر من الوصاية السورية، انطلقت موجة رفض تخوين أحد بسبب رأيه. فإذا اكتشف اللبنانيون أنّ نائباً أو وزيراً أو رئيس حزب التقى بالسفير الأميركي أثناء حرب سنة 2006، وطالب باستمرار العدوان، فلا يجوز اعتبار هذا المسؤول خائناً، بذريعة أنّ ما أدلى به هو مجرّد رأي سياسي مشروع! لا يعني ذلك حصراً عدم جواز محاكمته، بل إنّ اتهامه سياسياً بالخيانة ممنوع أيضاً. لكن، في الوقت عينه، الشخصيات التي ارتكبت ما كشفته الوثائق الأميركية، تمسّكت بنفي ما نُسب إليها. ففي الأيام الأولى من زمن التحرّر من الوصاية السورية، ظلّت تلك الشخصيات تزعم، في العلن، بأنّ دعوة العدو إلى استمرار العدوان على لبنان هو فعل خيانة.
شيئاً فشيئاً، تسرّب خطاب رفض التخوين إلى أجهزة الدولة نفسها، فصارت تتعامل بالكثير مع الرأفة مع جواسيس العدو الأمنيين.
ما بين عامَي 2005 و2023، اختتم لبنان مرحلة رفض التخوين، قبل أن ينتقل إلى "مستوى أعلى"، طلبُ استمرار الحرب الإسرائيلية على لبنان، وتحريض جيش الاحتلال على قتل لبنانيين، وكل ما كان يقال سرّا عام 2006، صار يُنادى به علناً في حرب العام 2024. أما في عام 2025، فوصلنا إلى مرحلة "ما بعد التخوين". صرنا في زمن الجهر بالانتماء للصهيونية. وفيما تتجه نسب عالية من الفئات الشابة في الغرب بعيداً عن تأييد "إسرائيل"، وبعدما اقترع أكثر من ثلث يهود نيويورك لزهران ممداني ذي الموقف الواضح ضد "إسرائيل"... في هذا الوقت تحديداً، أدخل أنطون الصحناوي لبنان في زمن الجهر بالصهيونية. زمن صارت تهمة "صهيوني" مفخرة.
ختاماً، من الظلم القول إنّ أنطون الصحناوي هو الصهيوني الوحيد والمطبّع الوحيد في لبنان. أبداً. ثمّة تيار سياسي طويل عريض، خاضع للوصاية الأميركية السعودية، يجرّ لبنان نحو التطبيع. وسلوك السلطة اللبنانية يشجّع كل سماسرة التطبيع على التفاخر بمواقفهم. رغم ذلك، وعلى طريقة العبارة الإعلانية الشهيرة التي تقول "لسنا وحدنا… لكننا الأفضل"، يمكن القول إنّ أنطون الصحناوي ليس وحده الصهيوني في لبنان، لكنه الأوقح، والأكثر استعداداً لتمويل مشروع جعل لبنان جزءاً لا يتجزأ من المعسكر الصهيوني في عموم بلادنا. يمكن، بكل إنصاف، اعتبار أنطون الصحناوي قائد مسيرة "لبنان الجديد" نحو التطبيع.
*صحافي