علي الطاهر أو الماسادا معكوسة

بقلم: محمد ناصر الدين
(مترجم وشاعر)


لم يظفر الجيش الذي لا يُقهر في جميع معاركه، وبينما تقول إحدى أساطيره إن الرب ردّ الشمس إلى كبد السماء ليوشع بن نون كقنبلة مضيئة ليثخن بالأعداء "الكفار" ونسائهم وأطفالهم وعجائزهم قتلاً وطعناً (يُقال عند نهر الأولي قرب مدينة صيدا)، إلا أن "الأسطورة" بأل التعريف للصهيوني المقاتل هي "ماسادا" أو مسعدة ويستعملها كرمز للروح اليهودية المقاتلة عبر التاريخ، حتى إنه يسمي مقر غرفة العمليات التي تهتم بالمهام الخارجية في الجزء الخامس من مسلسل "فوضى" ماسادا، فهل حقق فيها نصراً كاسحاً؟ أم أن مصير جنوده فيها، بحسب الرواية، كان أقرب إلى خصومهم المجندلين فوق تل علي الطاهر اليوم، مع فارق الزمن بين الموقعتين؟ 

المصدر الرئيس للواقعة الأولى هي رواية المؤرخ اليهودي-الروماني فلافيوس يوسيفوس الذي يروي أنه بعد حصار الرومان لقلعة ماسادا في نهاية الثورة اليهودية الكبرى، نحو 73/74م، أدرك المدافعون بقيادة إليعازر بن يائير أن الرومان سيدخلون القلعة. فاختاروا الموت على الوقوع في الأسر. 

وبحسب يوسيفوس، لم ينتحر الـ960 شخصاً مباشرة كلٌّ بنفسه. الرواية التي جعلت من ماسادا أسطورة مؤسسة أكثر تعقيداً: قتل الرجال زوجاتهم وأطفالهم أولاً، ثم اختير عشرة رجال بالقرعة لقتل بقية الرجال، ثم اختير رجل واحد ليقتل التسعة الآخرين، وبعد ذلك قتل نفسه. ويذكر يوسيفوس أن امرأتين وخمسة أطفال اختبأوا ونجوا، ومنهم عرف الرومان ما حدث. 

في كتابه المرجعي أرض ميعادي (My Promised Land) والذي أنصح كل مهتم بفهم كيفية نشوء إسرائيل بقراءته مثنى وثلاث ورباع، يتوقف آري شابيط في الفصل الرابع عند ماسادا، ويشرح كيفية تحويلها من مجرد موقع أثري يهودي قذر ومهمل يعود إلى القرن الأول إلى مثال نادر على الطريقة التي تصنع بها الأمم ذاكرتها. 

يخصص فصلاً بعنوان «ماسادا، 1942» لشمرياهو غوتمان، الرجل الذي أدرك أن الجبل الميت يستطيع أن يؤدي وظيفة في حياة جماعة حديثة. توابل القصة كلها موجودة منذ يوسيفوس: حصار روماني، ومقاتلون يهود تحصنوا فوق الصخرة، ونهاية مروعة يروي فيها المؤرخ أن المدافعين فضّلوا قتل عائلاتهم وأنفسهم على الوقوع في الأسر. 

لكن بين ماسادا القديمة وماسادا التي ستسكن المخيال الإسرائيلي مسافة هائلة، إذ احتاجت ماسادا إلى من يصنعها مرة أخرى. 

جاءت قصيدة يتسحاق لمدان سنة 1927، ثم جاء غوتمان. وفي 1942، في واحدة من أكثر اللحظات قلقاً في تاريخ اليهود الحديث، أخذ شباناً إلى الجبل. حيث قرأوا يوسيفوس، ونظروا إلى الصحراء من علِ، ودرّبهم على أن يروا أنفسهم في رجال ماتوا قبل قرابة ألفي سنة. ثم جاءت الرحلات والحركات الشبابية والـ«بالماح»، ولاحقاً حفريات يغئال يادين، فتحولت ماسادا شيئاً فشيئاً من موقع أثري إلى مكان للذاكرة القومية. 

بعد ألفي سنة، يمكن للمرء أن يسأل: هل حدث كل شيء كما رواه يوسيفوس؟ هل كان عدد الموتى حقاً قريباً من التسعمئة والستين؟ هل وقعت عملية القتل والانتحار الجماعي بذلك الترتيب الدرامي؟ لماذا لم تعطنا الآثار دليلاً مادياً يوازي ضخامة الرواية؟ وأي جزء من خطاب إليعازر بن يائير هو كلام رجل محاصر، وأي جزء هو بلاغة مؤرخ قديم؟ وهكذا تقف ماسادا بين التاريخ والأسطورة. 

ربما يأتي يوم يصعد فيه أولاد لم يولدوا بعد إلى علي الطاهر. سيجدون جبلاً أخضر، أو حجارة، أو بقايا إسمنت وحديد في مرملة يديرها فاسدون. ربما يقف أحدهم في المكان نفسه الذي نقف فيه اليوم ولا يسمع شيئاً. سيكون الهواء هادئاً عند تلك اللوحة السماوية من جنوب لبنان، أو بلاد بشارة أو جبال عاملة، سمها ما شئت. وستبدو له فكرة أن الأرض اهتزت هنا ذات ليلة بعيدة شيئاً يصعب تصديقه.

 لكن بخلاف الشاب الذي صعد مع غوتمان إلى ماسادا سنة 1942، لن يكون مضطراً إلى تخيل كل شيء. ستوفر لنا التكنولوجيا التي يستعملها البر والفاجر كل ما نحتاجه من صور وأسماء وشهادات. وسيكون بيننا من يستطيع أن يقول له: كنت هناك أو على مقربة. رأيت. سمعت. عرفت واحداً من أولئك الرجال عرفت اسمه وأسماء أولاده.. 

حين تقول الرواية العسكرية للخصم إن رجالاً حوصروا أشهراً؛ وحين تقول إنهم رفضوا الخروج برايات بيض؛ وحين تقول إن وحدات نخبة وهندسة وتقنيات متطورة احتاجت إلى كل ذلك للوصول إليهم؛ ثم يحتاج المنتصر إلى ألف ومئة طن من المتفجرات كي يمحو المكان من الأرض، فإن المادة التي تُصنع منها الذاكرة قد أصبحت موجودة بالفعل. هل شربوا قطر الندى من فوق الصخور عند العطش؟ هل تناولوا الفوار عند الجوع؟ ليس مهماً. المهم هو أن نجد الراوي.


*نشر المقال على صفحة الكاتب على فيسبوك

منشورات ذات صلة