حيدر مستراح.. بين عمارة المكان والدفاع عنه بالروح

"اليوم كما من قبل، أنت الأستاذ يا حيدر، ونحن تلامذتك المقصرون". وسط العديد من كلمات الوداع، بقيت هذه العبارة عالقة. تتكرر الفكرة نفسها، بصيغ مختلفة، في شهادات أخرى، كأن الذين عرفوا حيدر مستراح كان أول ما تذكروه فيه أنه محاور كريم، واسع الاطلاع، حاضر دائمًا حين يحتاج إليه أحد..

في مقال نشره قبل أشهر من استشهاده في صحيفة "الأخبار"، ابتعد حيدر، المهندس المعماري اللبناني والمتخصص في سوسيولوجيا المدينة، عن مجرّد الانشغال بإحصاء المباني التي دمرتها الحرب في جنوب لبنان، كان يبحث عن شيء آخر. عن الساحات التي يلتقي فيها الناس، وعن المساجد التي تحفظ ذاكرة القرى، وعن الأزقة التي تكبر فيها الأجيال. كان يرى أن المكان يحمل جزءًا من هوية سكانه، وأن تدميره يتعدّى إزالة الحجر، ويمتد إلى محاولة اقتلاع الذاكرة. لذلك استحضر ستالينغراد ووارسو وسراييفو ولندن، كتجارب عاشتها مدن استطاعت أن تستعيد نفسها بعد الحرب، لأنها تمسكت بذاكرتها قبل أن تعيد بناء جدرانها.

لماذا نكتب اليوم عن حيدر وعن نظرته في الهندسة المعمارية؟

في أيار 2026، استشهد حيدر مستراح دفاعًا عن أرضه وعن سيادة لبنان. ومثله المئات من شباب لبنان المتعلم والمثقف والوقور. عمادُ هذا المجتمع والمدافع عنه. ولأن حيدر ورفاقه استثنائيون، لا بدّ من استحضار بعض سيرهم، لتبقى تضحياتهم ماثلة.

حكاية حيدر أكبر من سيرة مهندس، أو أبٍ لطفلين.. هي حكاية شبّانٍ لبنانيين أدركوا أن الأرض لا يمكنُ أن تُحمى بالمواعظ ولا بالشعر، ولا بالاتفاقيات المجرّدة من القوّة، فوقفوا عند سياجها يصدّون الاحتلال باللحم الحي وما أمكنهم من قوّة.

منشورات ذات صلة