من بدأ أولًا؟

بقلم بلال خريس
(كاتب وباحث لبناني)


في كل مرة تندلع فيها الصراعات والحروب في منطقتنا، تنجح القوى العظمى في حرف أنظار العالم عن أصل المشكلة التي أشعلت فتيل الصراع، لتعيد صياغة المشهد بما يخدم مصالحها وأمنها القومي، وتنسج سردية تبرر أفعالها، مهما بلغ حجمها أو قسوتها. وتجد هذه السردية بيئةً خصبة في رأي عام عربي هش، قصير الذاكرة، تنخره الطائفية والعنصرية، فيغدو أكثر قابلية لإعادة تشكيل مواقفه وآرائه بما يخدم مشاريع التفتيت والانقسام.

وتستميت هذه السردية في ترسيخ فكرة أن الضحية هي الجاني، فتغرق الرأي العام بسيل من الأدلة والبراهين التي تزعم أنها هي من بدأت أو اعتدت، وكأن هذه الحقيقة، إن ثبتت، كافية لتبرير كل ما تلاها. وهكذا ينصرف النقاش عن جوهر القضية، ويختزل الصراع في سؤال واحد: من بدأ أولًا؟، بينما تدفن الأسباب الحقيقية التي مهدت له وأشعلته.

قبل الغوص في هذه الإشكالية، لا بد من تثبيت ثلاثة مفاهيم أساسية تشكل الإطار الذي ينبغي النظر من خلاله إلى أي صراع:

المفهوم الأول: مقاومة أي شكل من أشكال الظلم والاحتلال هي حق مشروع تكفله القيم الإنسانية والقوانين الدولية لجميع الشعوب.

المفهوم الثاني: الانتقام لا يعترف بتاريخ انتهاء صلاحية؛ فهو شعور يتوارثه الأفراد كما تتوارثه الشعوب، وقد يمتد عبر أجيال إذا بقيت أسبابه قائمة.

المفهوم الثالث: غياب التناسب في ردود الفعل يغذي دوامة لا تنتهي من الحقد والرغبة في الثأر.

انطلاقًا من هذه المفاهيم، يصبح بالإمكان مقاربة سردية "هم بدأوا" بصورة أكثر عمقًا، وتفكيكها بعيدًا عن الاختزال الذي يحصر الصراع في لحظة واحدة، ويتجاهل السياق الذي سبقها.

لنبدأ من فلسطين، فهي أصل الحكاية. ومن غزة تحديدًا.

يُصوَّر للعالم أن القضية بدأت في السابع من أكتوبر، وكأن ما جرى في ذلك اليوم حدثٌ معزول عن سياق تاريخي طويل من الصراع والمعاناة. ويُقدَّم الهجوم باعتباره نقطة البداية التي تفسر كل ما تلاها، فيما تُرسم حدود المقبول و"غير المقبول" وفق المعايير التي يحددها الطرف الأقوى، ليصبح هو نفسه من يقرر متى يكون الرد مشروعًا، ومتى يصبح مبررًا لحرب شاملة أو لتدمير واسع النطاق.

وفي المقابل، يُغيب عن الوعي العام ما يقارب ثمانية عشر عامًا، منذ عام 2005 على الأقل، عاش خلالها أكثر من مليوني إنسان تحت حصار خانق، حوّل قطاع غزة إلى واحد من أكثر الأماكن عزلة في العالم. سنوات أصبح فيها الفقر والجوع والمرض وتقييد حرية الحركة جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، حتى غدت المعاناة واقعًا اعتياديًا لا يلفت انتباه العالم إلا نادرًا.

ويغفل كثيرون حقيقة أن غالبية سكان غزة هم أصلًا لاجئون أو نازحون داخل وطنهم. وهذه الحقيقة وحدها كفيلة بإعادة صياغة فهمنا للصراع. وإلى جانب الحصار، تعاقبت سنوات من الحروب والاغتيالات والعمليات العسكرية، غالبًا تحت عنوان "تحييد الخطر"، فخلّفت وراءها آلاف الضحايا ودمارًا واسعًا وجروحًا نفسية عميقة.

كل ذلك راكم لدى أجيال كاملة شعورًا بالغضب والمرارة؛ غضبًا تجاه من قتل أبناءهم، ودمّر بيوتهم، واحتل أرضهم، وقيد حريتهم، واعتقل أقاربهم، إلى جانب توقٍ متزايد إلى التحرر. ومن دون إدراك هذا السياق، يصبح أي نقاش حول ما جرى لاحقًا ناقصًا، لأنه يقتطع لحظة من سلسلة طويلة من الأسباب، ويعاملها وكأنها البداية.

ننتقل إلى لبنان، فهو القلب.

منذ النكبة، لم يتوقف عداد الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان. ومنذ تلك اللحظة، ووفق منطق العلاقات بين الشعوب والدول، يكتسب الشعب المعتدى عليه حقًا مشروعًا في الدفاع عن نفسه، ومقاومة الاعتداء، والسعي إلى استعادة حقوقه.

ثم جاء الاجتياح الإسرائيلي للبنان مرتين، ليستقر الاحتلال في المرة الثانية لأكثر من ثمانية عشر عامًا، تحت شعار "الدفاع عن النفس" و"إزالة الخطر الفلسطيني". صحيح أن هناك كان وجودًا فلسطينيًا مسلحًا، لكن قلما نتوقف لنسأل: ما الذي أوجد هذا الخطر أساسًا؟ كيف وصل الفلسطيني إلى لبنان؟ ومن الذي جرده من أرضه وهويته ودفعه إلى اللجوء؟ فالإنسان الذي سلب وطنه، وشرد من أرضه، لا يتوقع منه أن يقف متفرجًا على ضياع تاريخه. ومن الطبيعي أن يسعى إلى مقاومة واقع لم يختره، بل فرض عليه.

وينطبق الأمر ذاته على حرب عام 2006. فقد كان الهدف المعلن من عملية أسر الجنديين الإسرائيليين مبادلتهم بأسرى لبنانيين كانوا في السجون الإسرائيلية، انطلاقًا من قناعة مفادها أن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة. لكن، مرة أخرى، جرى التعامل مع الحدث بوصفه نقطة البداية، مع تجاهل كامل لخلفياته ودوافعه وسياقه.

وحتى أحداث عام 2023 التي عُرفت بـ"حرب الإسناد"، لم تكن يتيمة الدوافع. صحيح أن إسناد غزة كان الدافع المباشر، إلى جانب ما اعتُبر محاولة لاستباق تطورات عسكرية محتملة، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن إسرائيل استمرت، منذ عام 2006، في خرق الأجواء والمياه والأراضي اللبنانية بشكل شبه يومي، مع استمرار احتلال أجزاء من الأراضي اللبنانية. وبمعنى آخر، حتى لو لم يقع السابع من أكتوبر، فإن ذلك لا يسقط، في نظر من يتبنى هذا الطرح، حق لبنان في الرد على الخروقات، والسعي إلى تحرير أرضه وحماية حدوده.

أما الرد الإسرائيلي، فيتجاوز في كل مرة حدود التناسب، فيتحول إلى عمليات عسكرية واسعة النطاق تتجاوز الهدف المعلن، وتخلف دمارًا وخسائر بشرية كبيرة. والنتيجة، كما في كل مرة، هي ولادة جيل جديد يحمل شعورًا بالغضب والظلم، ويجد في المقاومة وسيلة للدفاع عن الأرض والكرامة.

وهكذا تدور الحلقة من جديد: اعتداء يولد مقاومة، ومقاومة تستدعي ردًا أعنف، فينتج عن ذلك مزيد من الغضب والرغبة في الانتقام، وهي مشاعر لا تنتهي بانتهاء الحرب، بل تنتقل من جيل إلى آخر.

أما المفارقة، فهي أن أي رد فعل يأتي خارج التوقيت الذي يحدده الطرف الأقوى، أو خارج الرواية التي يرسمها، يُقدَّم للعالم بوصفه عدوانًا غير مبرر، أو فعلًا إرهابيًا يستوجب ردًا استثنائيًا، بينما يُستبعد من السرد كل ما سبقه من أحداث صنعت هذا الواقع.

يمكن إسقاط هذه المقاربة على العديد من الدول العربية التي عانت، ولا تزال تعاني، من إرث الاستعمار وتداعياته. لكن، في نهاية المطاف، يبقى سؤال: "من بدأ؟" سؤالًا ناقصًا إذا اقتطع من سياقه التاريخي.

فلا يمكن فهم ما جرى، وما يجري، وما قد يجري مستقبلًا، من دون العودة إلى اللحظة المؤسسة للصراع. وفي حالة فلسطين وما تفرع عنها من صراعات في المنطقة، تبقى تلك اللحظة هي الاحتلال وما رافقه من اقتلاع شعب من أرضه، وتشتيته، والاستيلاء على وطنه.

قد تختلف المواقف من وسائل المقاومة، وقد تتباين الآراء في تقييم ردود الفعل، لكن تجاهل السبب الجذري للصراع، والانطلاق من لحظة لاحقة باعتبارها "البداية"، لا يؤدي إلا إلى إنتاج رواية مبتورة للتاريخ، تُحمّل النتائج مسؤولية الأسباب، وتغفل الشرارة الأولى التي أطلقت هذه الدوامة الممتدة من العنف.

منشورات ذات صلة